المقبره

لا تستطيع الحاجة رشدية أن تحصي أحزانها الفلسطينية ، فأحزان الفلسطيني لا تعد مادامت لعنة الاحتلال الصهيوني ، تنهش ماضية وحاضرة ومستقبلة ، كذلك لا تستطيع أن تحصي عدد من فقدت من أحبة من أقارب أو جيران وأصدقاء ، بين قتل وسجن ونفي وتعذيب ومرض وتشويه واختطاف !

صبر أم الشهيد :

ونكاية بعدوّها الغاشم فهي تصمم أن لا تذكر علنًا ، عدد من قدمت من أبنائها شهداء في قوافل الحرّية ، وان كان قلبها يحصيهم في كل لحظة بحرقة وتوجّد وفقد ، فهم ثلاثة من زينة الشباب ، كانوا مثل سنابل فرعاء نديّة شهيّة عندما قصفهم العدو الصهيوني الواحد تلو الآخر ، دون أن يرأف بشبابهم المرتجى أو بآمال أمهم التي أفنت سنين شبابهم عاكفة على يتمهم وفقرهم .

زيتونات القبور :

لم يراها أحد في يوم تبكي أحدًا من أبنائها ، وكانت تصمم على أن يناديها أهل الحيّ باسم أم الشهداء ، وتتيته فخرًا كلما روت بالماء وبدموع العينين زيتونات قبورهم ، وداعبتها بانكسار يتعالى على زفراتها اللاهثة المفطورة على ألم عملاق .

الجدار العازل :

أما اليوم فلم تخجل من أن تنتحب ، وأن تبذل دموعها سخية وهي تعانق زيتونات بستانها ، وتتشبث بجذع أكبرها لعلّها تعصمها من أيدي جنود الصهاينة ، الذين داهموا القرية من طلوع الشمس ، وعاثوا في تقتيل في أشجارها قبل أن يجرفوا أرضها ، ويلقوا بأهلها جميعًا ، حفاة مذعورين بحجة تملك أراضيهم ، من أجل بناء الجدار العازل .

القرية المغتصبة :

ولكنها على الرغم من جبروت رفضها الأبي للرحيل وجدت نفسها شعثاء غبراء دون غطاء رأسها الأبيض ، ودون بيتها أو بستانها أو زيتونتها الوفيرة بل دون قريتها كاملة ، ففي ساعات قليلة كانت معظم أراضي القرية مصادرة ، وكانت الأراضي الزراعية جرداء مغتصبة مجرفة من أشجارها ومن فرحها .

المقبرة :

فغدت القرية دون سكونها بعد أن شطر مخطط الجدار الفاصل القرية إلى نصفين ، نصف صغير يسجن خلفه حشدًا عظيمًا من أهلها ، والآخر يعزل أمامه مقبرة القرية الباقي الوحيد منها بعد أن غدت كلها خلا المقبرة خلف الجدار العازل ذي الأسلاك الشائكة ، والكلاب والبنادق وجنود الصهاينة ، وحدها الحاجة رشدية من بقيت في القرية المختزلة ، في المقبرة بعد هذا التقسيم الجائر السريع الذي نهشها ، إذ ظلت متشبسة بأرضيها ، ورفضت الرحيل لتكون شهيدة جديدة تزف إلى المقبرة وان كانت لاتزال على قيد الحياة !

الجدار الغاشم :

أمضت أيامًا قصيرة في مثواها الجديد موزعة بين أبنائها الأرواح الثاوين في القبور ، وبين شجراتها الزيتونات المرسلات قتلى على أرض المقبرة ، بعد أن رحلتهم إلى جانبه ، وفي جنباتها ذلك الحقد المرجل على ذلك الجدار الغاشم ، الذي بات ينمو بتوحش أما عينيها ليحرمها من قريتها وأهلها وتاريخها المديد !

الفأس العتيد :

المقبرة هي آخر من تبقى لها ، من عالمها المتواري قهرًا خلف الجدار ، وهي هنا وحيدة لا تملك سوى شجاعتها وإصرارها على البقاء ، وفأسها آخر من رافقها في دربها ، نحو زيتوناتها ، تحدق في فأسها العتيد المخلوع جانبًا ، تتفرس مقبضه الخشبي الموشّى بمزق جلد يدها ، تتأبطه وتحكم ربط غطاء رأسها ، وتحزمه بأطراف ثوبها ، وتخطو أول خطواتها نحو الجدار ، خطوات ثابتة وسريعة تقصد أن تنهال بفأسها على الجدار تحطيمًا وتهشيمًا .

قبور مفتوحة :

تقترب أكثر من جنود العدو ، الذين يهرعون هروبًا نحو البعيد في وجه امرأة عجوز ، تحمل فأسها وغضبها المستعر ، وخلفها أجساد تجر أكفانها ، وتحمل فؤوسًا مهددة بها وهي تكاد تنقض على الجدار ، وفي الأفق تلوح مقبرة بقبور مفتوحة قد غادرها الشهداء ، إكرامًا لدموع الحاجة رشدية بغية مساعدتها ، في تحطيم الجدار العازل .