على حافة البحر يقف سامر، يستنشي النسيم ويتطاول بقدميه لعل بصره يشق حجب هذا الخلق الهائل- البحر- وينفذ إلى ما ورائه، لطالما طمحت نفس سامر إلى ذلك الذي وراء البحر، ليت شعري أي أرض تكون تلك؟ وأي ناس يعمرونها؟ كل يوم يقف سامر نفس الموقف وتدور هاتيك الخيالات برأسه، لطالما كان يتصيد الفرصة بعد الفرصة ليفر عن أبيه ويأتي إلى البحر، وفي كل يوم تنهره أمه وتزجره وتنهاه عن الذهاب إلى البحر، فقوانين القرية صارمة، ولطالما تناقلت أجيال القرية المتعاقبة حكايا عن أي عالم مخيف ذاك الذي يقبع خلف البحر، ولعلي محدثكم قليلا عن قرية سامر، تلك القرية التي جاورها البحر من كل جهة، هي أرض بعيدة من العالم الذي يعرفه الناس، قد غض عنها التاريخ طرفه فليس لها ذكر على لسان ولا خبر في كتاب، عاش فيها قاطنوها وما رأوا قط ما يخفي عنهم البحر، وكما أخفى العالم عنهم فقد أخفاهم عن العالم وقطعهم عنه، غير أنهم ما تشكوا من ذلك أبدا، فقد عاشوا في سعادة وهناء، يزرعون ويحصدون ويأكلون، الرزق ممدود والخير مبسوط ينالهم جميعا، يأتيهم الصيف فتزدان الحقول بالقمح كحبات التبر المنثور، وينير المروج القطن الأبيض، فيتجدد الأمل في النفوس، وتنبعث الدعة في القلوب، ويفيض الخير وتعم البهجة، وتقام الاحتفالات والمسابقات بين العوائل فتتوشج الروابط وتقوى الصلات وتستل المحبة سخيمة كل قلب، فلا حقد ولا منافسة ولا ضغائن مستترة تحت رداء النفاق المجتمعي، ولا حقد تنميه عنصرية المجتمع الطبقي، ثم يغشاهم الربيع والخريف بالسماء الصافية والمروج المزهرة والرياض المخضوضرة فينبعث الضياء في النفوس، وتشرق البهجة في الصدور، فليس يبقى من شيء إلا وتكسبه الحياة قوة من قوتها، فتجعل حياة في كل نفس، وقوة في كل قلب، كل عاشق من شبان القرية يهيم بمعشوقته و كلٌ يقتص على اخوانه أحاديث الأحلام وأماني الأنفس من أسرة محبة وبيت جميل ونشء صغار، وحتى شتاء القرية كانت جلسات السمر حول النيران تقيهم برده، يعلو فيها صوت الضحكات وتسطع فيها أحاديث الذكريات حيث يأخذ الكبار في القرية مجالسهم ويقصون القصص، والكل متحلق حولهم بآذان مصغية وقلوب مرهفة وعيون لامعة، تنظر إلى الماضي وتحلم بالمستقبل... هكذا كانت القرية وهكذا كانت حياتها التي نكرها سامر ولم يركن إليها، وظل هو في كل يوم عند مكانه بجوار البحر يسبح فيه بنظره ويجول بفكره، وكل يوم يمر يحطب في حبل العزم لدى سامر بالرحيل ويشتد عود تلك الفكرة في نفسه حتى ملأت عليه نفسه وقلبه وعقله جميعا، وخرج متدثرا برداء الظلمة مستخفيا عن الأعين، حتى أنه لم يودع أمه التي لا يدري هل يلتئم جمعهما بعد هذا التفرق، أم يقضى عليهم بالشتات أبدا، قد خرج متبلغا بشيء من الزاد يستعين به على ملاقاة المجهول، ثم ركب البحر في مركب غبر زمانا يصنعها متواريا عن الأعين، وبعد لأي وعناء عاين فيه الهلكة، استطاع أن يصل إلى بلاد ما وراء البحر، وقد أسقط في يديه لما رأي الذين شقوا عباب المدنية المزبد ورقوا درج التطور وأسلم إليهم العلم الحديث مقادته قد رجعوا كأوبد الوحش، لا يسوقهم إلا صريح الغريزة، ولا يحكمهم إلا داعي الشهوة، يأكل غنيهم فقيرهم، ويسحق قويهم ضعيفهم، ولا يسود فيهم إلا من كانت حرفته النفاق وصناعته الكذب، ولا يحمد بينهم الا من كانت عبادته الغش وصلاته الختل... فبغضت إليه الحياة وقرب إليه الموت، وجاهد ليظل مستمسكا بحبل الديانة فلا ينفلت من يديه، وما أكثر ما حاول أن يرجع إلى القرية، لكنه لم يهتد لسبيلها أبدا، وظل في كل يوم يحاول، ويذكر زجر أمه ونهيها إياه ويتحسر، وبينا هو عائد يجر أذيال الخيبة من إحدى محاولات الرجوع، رأى امرأة عجوز رثة الثوب طاوية مكدودة الملامح، لا تجد ما يمسك حشاشة نفسها من لقيمات ولا ما تتقي به برد الشتاء، يحلق شبح الموت فوق رأسها، تتكفف الناس وتطلب المعونة، والناس من رائح وغاد لا يكاد أحد يلتفت إليها كأنهم لا يرونها، وكانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها سامر شيئا كهذا، حتى لقد ذهله ما يري عن شدة تعبه ونصبه، وهو يسائل نفسه من أي صخر قدت هذه المخلوقات وعلى أي طبيعة وحشية جبلت، حتى التفت فرأى رجلا عظيم البطن كثير الشحم متدثرا بمعطف وثير، تظهر عليه أمارات السراة، ومخايل الأنفة، يقترب من المرأة في حذر ثم جعل يده في جيبه وأخرج منها بعضا من النقود ظل قرب الدقيقتين يبحث بينها عن بعض الغكة، وأخيرا وجد عملة معدنية فألقى بها للعجوز ثم بسرعة ولى مدبرا.

كل ما رجاه سامر في تلك الليلة أن ينام فتزوره أمه كي يستطيع أن يودعها.