"مونتسيكو" و"على نياته" من فرنسا إلى دولة "كركر"

قامت شركة "النوايا الطيبة" المقيدة ببورصة دولة "كركر" بتوزيع أرباح نقدية على المساهمين بنسبة لا تتجاوز 40% من صافي أرباحها، ففرح المساهمون بهذا التوزيع جدا، وباركوا جهود الشركة الحثيثة في العمل على زيادة أرباحها وتحقيق نتائج قوية.
وفي إحدى الليالي، حلم أحد المساهمين ويدعى "على نياته" أنه يندد بهذا التوزيع، ويطالب بعقد جمعية عمومية طارئة، وحكى هذا الحلم لمساهم آخر، ونشر صاحبنا حلم "على نياته" بين بقية المساهمين، وعرف المجتمع المالي بدولة "كركر" بحلم "على نياته".
وانبرى المساهمون يدافعون بشدة عن الشركة في جميع وسائل الإعلام، وأنكروا على "على نياته" حلمه، وسخروا كل وسائل إعلامهم وأصدقائهم للنيل من الرجل.
"كيف تريد أن نشكك في إدارة شركتنا التي نثق فيها على مدار السنين؟"، "لو مش عاجبك الشركة مع السلامة، فيه مليون واحد يتمنوا يبقوا مساهمين معانا"، وكثيرا من الكلمات المؤلمة الموجهة للمساهم الغلبان، الذي أعتقد أن هذه الجمعية يمكن أن تغير مجلس الإدارة يوما ما أو تعدل طريق الشركة.
وجهة نظر مجلس إدارة شركة "النوايا الطيبة" في توزيع أرباح على مساهميها:
1- يجب إشعار المساهمين أننا نحقق نجاح، فتوزيع الأرباح يزيد من ثقة مساهمينا بالشركة في وقت نحقق فيه خسائر متتالية.
2- لن يحاسبنا أحد، فنحن نخفق على مدار سنوات في تحقيق أهداف الشركة ومع ذلك يتم انتخابنا من قبل الجمعية العمومية.
3- لا توجد جمعية عمومية من المساهمين قوية، فالحمدلله استطعنا أن نكون الجمعية من أحبابنا وبالتربيط بين المساهمين التابعين لنا، أصبح حق التصويت لفئة قريبة من الإدارة وبالقانون حصل هؤلاء على حق التصويت دون بقية المساهمين.
4- هذا توزيع ضعيف ولن يؤثر على أداء الشركة ونحن في النهاية نريد المصلحة العامة.
5- من يمكن أن يتحدث من المساهمين؟، فنحن نرعى أبنائهم في نوادي الشركة، ومعظم أعضاء مجلس الإدارة إما أبناء أو أزواج أو أصهار لأعضاء الجمعية، كما أننا نقدم مكافأت لبعضهم تحت بنود مختلفة باللائحة، فكيف يمكن لهم أن يعترضوا علينا.
6- نحن أصحاب نوايا صالحة ونريد مصلحة الشركة بالنهاية ولا أحد من المساهمين ينكر هذا.
7- لا توجد لائحة تحكم عملنا، وننفذ دائما ما نريد، ولا يوجد فصل بين السلطات، فنحن نحاسب أنفسنا، ونختار أنفسنا، ونشرع لأنفسنا، فما المشكلة إذا مع "على نياته".

وهنا لنا وقفة مع هذه الحادثة بالتحليل:
1- لن يحدث هذا المثال على أرض الواقع أبدا، فلن تستطيع شركة مدرجة بسوق المال "البورصة" بأي دولة بها نظام في العالم بتوزيع أرباح نقدية على المساهمين دون موافقة جمعيتها العمومية ثم موافقة هيئة سوق المال على هذا التوزيع.
2- في هذا المثال التخيلي بدولة "كركر" لا توجد حوكمة كاملة بسوق المال، فلا توجد جهة رقابية داخلية يتم اختيارها من قبل الجمعية العمومية "مكتب محاسبة" لتقوم بمراجعة أداء الشركة المالي، ثم ترفع تقرير للجمعية للموافقة عليه.
3- يتخذ مجلس الإدارة العديد من القرارات التي قانونا وطبقا للوائح لا بد للجمعية العمومية الموافقة عليها، ولكنه فعلها من قبل ولم يعترض أحد من أعضاء الجمعية على هذا، فأستطاع أعضاء المجلس القيام بما يريدون فلم يحاسبهم أحد من قبل.
4- لا تقوم شركة "النوايا الطيبة" بالإعلان لمساهميها عن نتائجها المالية، فيستطيع المساهمون بذلك الحكم على أداء الشركة، بحجة أن الإعلان عن النتائج المالية سيجعل المنافسين يعرفون خبايا الشركة، في هذا العالم المعروف فيه لون الملابس الداخلية!
5- أعضاء الجمعية العمومية لشركة "النوايا الطيبة" غير مؤهلين ليحصلوا على حق التصويت دون غيرهم، ورغم أنهم يعرفون ذلك ويفهمون أنه جاء إليهم هذا الحق بحكم قانون دولة "كركر" إلا أنهم يتمسكون به معتقدين أنهم طالما أتوا بانتخابات من بقية المساهمين فهم على صواب دائما.
6- إذا سألت أي مساهم في الشركة عن اللائحة التي تنظم العمل بالشركة أو عن القانون الذي يحكم أداء الشركة، فلن يجيبك أحد، فآخر لائحة طبقتها الشركة كانت في القرن الماضي، ولم تقم بتحديث لوائحها، فلا أحد يحاسب أحد.

هذه الحادثة يمكن أن نستغرق فيها بالتحليل والنظر، لكن أشد ما يؤلم فيها هو حال الحاج "على نياته" يذكرني بالمفكر الفرنسي "مونتسيكو" مؤلف كتاب "روح القانون" الصادر عام 1748م، والذي تناول بين دفتيه مبدأ الفصل بين السلطات، وما أن ظهر الكتاب حتي أحدث ضجة كبرى اجتاحت فرنسا، وانقسم المجتمع الفرنسي والعالمي بين مؤيدين ومعارضين، وبدأ رجال الدين يحتجون بأن ما جاء بالكتاب يتعارض مع ما جاء بكتابهم المقدس، وأتهموا "مونتسيكو" بالهرطقة وعدم الإيمان ووضعت السلطات الدينية في فرنسا الكتاب ضمن قائمة الكتب المحرمة.
لا أتحدث عن "مونتسيكو" والرؤية الشرعية سواء من وجهة النظر المسيحية أو الإسلامية للكتاب، فـ"مونتسيكو" خلده التاريخ وخلد مبدأه وأعتبر الثوار الفرنسيون "روح القانون" كتابهم المقدس، واستخدمه الأمريكيون في وضع دستورهم، ولا زلنا في كل العالم نطبق مبدأه حتى الآن.
نتاج العقل البشري سواء المؤمنين منهم أو الكافرين يؤخذ منه لتطوير هذه الدنيا، "الحكمة ضالة المؤمن" سيخلد التاريخ كل مدافع عن "روح القانون" و"الشفافية" و"فصل السلطات" و"النظام" و"اللوائح" والقيم العليا التي تحمي أي مؤسسة أو دولة من الوقوع في براثن الفشل والخيانة.. سيخلدهم التاريخ رغم مرور الزمن، حتى لو اختلفت عقائدهم، وأيدولوجيتهم.