لا يَسلَمُ الإنسان طيلةَ حياتِه من أن تعصِفَ به ريحُ الهموم تارة، وتتقاذفه أمواج الكُرُبات تارةً أخرى، فتتلاعب به كريشة يأخذها الهواء بعيدًا إلى حيث شاء، ثم يُسقِطُها ويرحل!

في الحقيقة لقد وددتُ أن ألتمِسَ قَبسًا من نور رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- وأنظر نظرةً مُتعمقةً في حياته وأحداثها، فأردتُ أن أتحدث عن جانبٍ هامٍ فيها ربما لم يتطرق له ذهننا من ذي قبل.

وُلِدَ سيدُنا محمدٌ لعبدِاللهِ بن عبدالمطلب وآمِنَةَ بنت وهب.

وُلِدَ في قبيلةٍ كانت من أعز قبائل العرب بل أعزَّها وأشرفها، والمستحوذة على نصيب الأسد من تجارتهم وغنائمهم.

فرح به أهله أيّما فرح، واستبشروا بقدومه حتى أن جده عبدالمطلب طاف به الكعبة بعد ولادته وقال: "لَيَكونَنَّ لابني هذا شأنٌ عظيم." ثم سماه محمدًا.

وُلِدَ ولم يَرَ أباه ولم يعلم عنه شيئًا؛ فقد مات ونبيُّنا جنينٌ في بطن أمه.

ثم ماتت أمُّه أمام عينيه وهو ابن ستِّ سنوات في منطقة تسمى الأبواء، وكان هذا في طريق عودتهما من عند أخواله بالمدينة، فحزن عليها حزنًا شديدًا وبكاها أيّما بكاء.

ثم تَكفَّل به جدهُ عبدُالمطلب، وأدناه منه ما لم يُدنِ أحدًا من أبناءه، لكن لم يلبث نبينا أن يُتم عامه الثامن إلا وقد فقد عزيزًا وأبًا آخَر، ثم عاش بعدها مع عمه أبي طالب.

والناظرُ بعين الدقة في هذا الأمر يجد أن صبيًا في هذا العمر يفقد أباهُ وأمهُ وجدهُ ويتربى مع عمه، يكون لكل هذا الفقد في نفسِه أثر، بل وربما تسوء أخلاقه وينحرف عن الطريق الصحيح بسبب غيابِ الدور التربوي والتوجيهي في حياته.

لكنَّ رسولنا أثبت لنا العكس تمامًا، فقد كان يُلقَّب قبل بعثته بالصادِق الأمين، وكان زينةَ شبابِ مكة وأرجَحَهم عقلاً وأكرمَهم خُلُقا وأحسنَهم عملاً.

ثم بعد بعثته، وفي أول ما أمَرَهُ الله بأن يَصدعَ بكلمة الحق، صعد رسولنا -صلى الله عليه وسلم- جبل الصفا ثم أخذ يُنادي على الناس حتى إذا أقبلوا قال لهم:

-أرأيتَكُم لو أخبرتُكم أن خيلاً خلف هذا الوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مُصدِّقيّ؟

=قالوا نعم، ما جربنا عليك إلا صِدقًا.

قال:-

فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد.

فيرد عليه أبو لهب:

تبًا لك سائرَ اليوم ألهذا جمعتنا؟!

وكأنه يُعلنها صراحةً وأمام الجميع أنه سيُعادي هذه الدعوة بكل ما أوتي من قوة ولن يدخر في ذلك جُهدًا، ورغم هذا لم يَنثنِ الرسول عن الدعوة وأكمل طريقه.

ثم تموتُ زوجتُه وأحبُّ النساءِ إلى قلبه وكانت ذات دورٍ فعالٍ في حياته واعترف بذلك الفضل في حديث عائشة.

فعن عائشةَ رضى الله عنها قالت:

كان النبى صلى الله عليه وسلم يَذكُرُ خديجةَ فغِرتُ منها، فقلت له:

-خديجة خديجة، كأن ليس فى الدنيا إلا خديجة!

فقال صلى الله عليه وسلم:

=إنى رُزِقتُ حُبَّها.

فقالت له عائشة رضى الله عنها:

-عجوزٌ حمراءٌ الشِّدقين هلكت فى الدهر، أبدلك اللهُ خيراً منها.

(ومعنى حمراء الشدقين: أى اللثة وهي كناية عن سقوط أسنانها وكبر سنها؛ فالإنسان إذا سَقطت أسنانه لا يظهر فى وجه إلا حَمارُ اللثة، وقولها "خيرًا منها" تُشير إلى نفسها)

فقال النبى صلى الله عليه وسلم:

=لا والله ما أبدلنى الله خيرًا منها، لقد واسَتنى بمالِها إذ حرمنى الناس، وصدَّقتنى إذ كذبنى الناس، ورزقنى الله منها الوَلدَ إذ حرمنيه من النساء.

ماتت حبيبتهُ الأولى ومات بعدها في نفس العام عمه أبو طالب، وهو من كان يدفع عنه المشركين ويكف عنه أذاهم، فحزن لذلك كثيرًا حتى سُمِّي هذا العام بعام الحزن.

وما تتابع بعد ذلك من أحداث لا نستطيع حصرها في مقال واحد ولكن..

لو نظرنا لحياته بعد البعثة لرأينا حجم الصعوبات التي واجهته لنشر دعوة الإسلام وتوطيدها في نفوس الناس.

وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات إلا أنه لم يكن شكاءًا ولم يَرِد لنا نصٌ قوي أو ضعيفٌ يُفيد هذا، ولم يكن ليفتُر في الدعوة أو يميل للانسحاب منها وعدم استكمال المسير.

لكن لماذا يقبل رجل عزيزٌ في قومه، مسموعُ الكلمة، مُطاع الأمر، حسنُ السيرة أن يَنبِذَ كل هذا وراء ظهره ويقبل بالتخلي عنه مُقابل الدعوة إلى هذا الدين؟

إنه الإيمان؛ فالإيمان بالهدف يجعل المُرَّ حُلوًا والعُسر يُسرًا، ويَقلبُ كل الموازين فيصير الصعبُ سهلاً فداءَ هذا الهدفِ النبيلِ والغايةِ السامية.

آمَنَ بأنَّ شأن هذا الدينِ سيصِل إلى مشارقِ الأرضِ ومغاربِها في وقتٍ لم يكن للمسلمين سلاحٌ فيها سوى إيمانهم بربهم ودعوته ودينه، وما أقواه من سلاح!

إن الرسالةَ لم تكُن للرسول مُجرد وظيفةٍ أو عملٍ كُلِّف به فحسب، بل كانت له حياةً بأسرِها.

 حياةٌ أنيسُهُ فيها ربُّه، ونِبراسُه فيها قرآنُه، وكأنه يقول لنا آمِنوا بأهدافِكم واسعوا لها فحسب. 

صلَّى اللهُ عليكَ يا سيدي وعلى آلِكَ وصحبِك أجمعين. 


المصادر: 

https://ar.islamway.net/article/52372/طفولة-النبي-صلى-الله-عليه-وسلم

https://islamqa.info/ar/answers/138636/بعض-المحن-والصعوبات-التي-واجهها-النبي-صلى-الله-عليه-وسلم-واصحابه-في-بداية-الدعوة

http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=53&ID=600

http://waytoalgannawaytoallah.blogspot.com/2011/10/blog-post_2130.html?m=1