في أول زيارة لمسئول تركي رفيع المستوي الي مصر منذ عام 2013 وتتويجا لتواصل انقرة الدبلوماسي مع مصر منذ بداية عام 2021 وصل مايو الماضي نائب وزير الخارجية التركي القاهرة علي رأس وفد لبدأ محادثات إعادة العلاقات الي طبيعتها وانهاء حالة عدائها مع مصر وتخفيف العزلة التي تسببتها تلك السياسة لتركيا في شرق المتوسط.

منذ وصول اردوغان الي السلطة سعي الي تحويل تركيا الي قوة اقليمية ونقطة تواصل بين الشرق والغرب بحكم علاقاتها التاريخية مع دول المنطقة واستخدم سياسة "صفر مشاكل" التي أكدت ان الحوار السياسي والتكامل الاقتصادي هو الحل الامثل للتعايش السلمي بين دول المنطقة حتي جاء الربيع العربي فشكل نقطة تحول في هذه السياسة فانقلب اردوغان علي تلك السياسة بعد ان وجدها فرصة للتوسع سياسيا في المنطقة فانفض أصدقائه المقربين وشركائه في السلطة من حولة بعد ان انفرد بالقرارات التي تسببت في مشاكل تركيا مع جيرانها، وإعطاء الاولوية لاستخدام جماعة الاخوان لركوب موجة الاحتجاجات الشعبية وبسط نفوذه علي دول المنطقة الامر الذي احدث مسار تصادمي في العلاقة بين مصر وتركيا بعد الاطاحة بالاخوان خاصة بعد سقوط مشروع بناء تحالف اقليمي يستنزف مقدرات العديد من دول المنطقة لصالح تركيا.

طردت القاهرة سفير تركيا بعد التدخل التركي في شئون مصر فيما اعلنت انقرة ان سفير مصر شخص غير مرغوب فيه، واستمر التمادي في العداء فوفرت تركيا الملاذ لاعضاء جماعة الاخوان رفيعي المستوي لمزاولة انشطتهم ضد مصر بما في ذلك تشغيل القنوات التلفزيونية العدائية التي تتخذ من اسطنبول مقراً لها، فأدى ذلك الي تمزق شديد في العلاقات واتساع الانقسام الجيوسياسي بين البلدين، فاتجهت مصر الي بناء وتطوير تعاون اقتصادي وعسكري ثلاثي مع اليونان وقبرص -الاعداء التاريخين لتركيا- خاصة بعد اكتشاف حقل ظُهر للغاز الطبيعي، اتبعه خطة مصرية لتحويل مصر الي مركز طاقة اقليمي من خلال تجميع الغاز المصري والقبرصي والإسرائيلي واستخدام مرافق التسييل المصرية في ادكو ودمياط لتسويق غاز المنطقة الي اوروبا، استبعدت تلك الخطة المصرية تركيا من تسويق غاز شرق البحر المتوسط، التحركات المصرية قوضت تطلع اردوغان ان تصبح تركيا مركزاً للطاقة في شرق المتوسط وحوض بحر قزوين وهو ما يفسر سر العداء الشخصي والكراهية التي يكنها اردوغان للسيسي وتنديده مرارا وتكرارا بالسيسي علنا في خطاباته خلال هذه الفترة حتى أنه شجبه في مقابلة مع قناة الجزيرة عام 2016 ووصفه بـ "الانقلابي"وسط تجاهل السيسي لخطابات اردوغان.

مع تطور التنسيق الثلاثي اصبحت تركيا مقيدة بشدة في قدرتها على الدفاع عن مصالحها بعد مواجهة تنسيق اقتصادي قوي يحظي بدعم الولايات المتحده والاتحاد الاوروبي ومجموعة من كبري شركات الطاقة ولكل منها استثمارات اقتصادية ضخمة في شرق المتوسط، فانخرطت تركيا في سلسلة من اعمال شبة عسكرية مع اليونان بداية من 2018 وعقدت اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا اتفق الكثير علي مخالفتها للقانون البحري الدولي، وعلى عكس النتيجة المأمولة لتركيا عملت تلك الاجراءات على تعميق التعاون الثلاثي ودخول اسرائيل معهم ضمن تعاون اقتصادي وامني اوثق، فتم اضفاء الطابع الرسمي على ذلك التعاون متعدد الأطراف في مجال الطاقة فأنشأت مصر منظمة منتدي غاز شرق المتوسط ومقرها القاهرة ضمت بالاضافة الي مصر اليونان وقبرص واسرائيل وفلسطين والاردن وإيطاليا، بالاضافة الي قبول فرنسا والولايات المتحدة لاحقاً كعضو مراقب مع استبعاد تركيا من عضوية المنظمة.

استمرت الدبلوماسية القسرية التركية في التعامل مع دول المنطقة بعد انفراد اردوغان بالسلطة واستخدام ادوات القوة الصلبة وتطوير القواعد الامامية لتوسيع نفوذ تركيا في الخارج ففي منتصف 2016 افتتحت تركيا قاعدة عسكرية في قطر تضم الان 5000 عسكري تركي ثم قاعدة اخري في الصومال نهاية عام 2017 اتبعه زياردة اردوغان للسودان وعقد اتفاقية للاستحواذ علي ميناء سواكن لمدة 99 عام مما شكل بداية توسع للنفوذ الاقتصادي والسياسي لتركيا في منطقة شرق إفريقيا الكبرى وتحدي لهيمنة مصر علي البحر الاحمر ومدخل قناة السويس، بالاضافة الي وجود عسكري تركي علي حدودنا الشرقية ما مثل خطر استراتيجي لمصر وهو امر استطاعت مصر التعامل معه بحرفية وبشكل حافظ علي وحدة الدولة الليبية ودون التخلي عن العقيدة القتالية للجيش المصري والتدخل بشكل عدائي في دول مجاورة، أيضا استمرت تركيا مؤخرا في دعم آبي احمد في اثيوبيا عسكريا ضد جبهة تحرير التيجراي برغم جرائم الحرب التي ارتكبها رئيس الوزراء الاثيوبي في الإقليم.

مع الاطاحة بالبشير انتهي الوجود التركي في السودان قبل ان يبدا، وفي المقابل عززت مصر تعاونها علي جميع الاصعدة مع السودان ووقعتا اتفاقيات لانشاء طرق وسكك حديدية لربط الاقتصادات النامية في شرق إفريقيا بساحل البحر المتوسط تصبح مصر من خلاله مركزا لممر تجاري يربط افريقيا باوروبا، تلي ذلك تطبيع العلاقات بين الامارات والسودان والمغرب مع اسرائيل مما أضاف بُعداً استراتيجياً إضافياً في المنطقة وشكل خطرا علي مكانة تركيا باعتبارها المطبع الاكبر في المنطقة والاكثر تميزا وعلاقات في جميع المجالات مع اسرائيل فقد شهد التعاون التركي الاسرائيلي خلال السنوات السابقة مع تولي اردوغان الحكم تطورا كبيرا وارتفاع غير مسبوق في نسب التبادل التجاري، بالاضافة مشروع نيوم السعودي المنتظر اتمامه وخلقة تعاون واتصال تجاري واقتصادي متكامل مع مصر والاردن، مظاهر تضامن اقتصادي وعسكري لافت بين الدول التي تعاديها تركيا تفاجأ بها اردوغان فكان لزاما عليه اعادة ضبط سياساته العدائية تجاه القاهرة والتخلي عن شعاراته خاصة مع تطلعاته الاقليمية المقيدة حالياً بسياساته العدائية ضد مصر فبدأ في الشروع في مبادرات دبلوماسية علنية مع مصر نهاية عام 2020 أسفرت عن زيارة الوفد التركي لمصر وبدء الجولة الاولي من محادثات التقارب على مستوى رفيع في مايو 2021 والبدء في اجراءات بناء ثقة اهمها قرار تركيا بوقف بث البرامج العدائية ضد مصر من اراضيها، تلاها تقارب من جانب تركيا الي الامارات والسعودية وتخلي اردوغان عن ادانة السعودية في حادث مقتل جمال خاشقجي في السفارة السعودية في انقرة بعد ان كان صرح تصريحات وصلت عنان السماء بخصوص تلك القضية، وزيارة وزير الخارجية التركي الي الرياض ثم اتصال اردوغان بالملك السعودي ثم زيارة طحنون بن زايد الي تركيا اتبعه اتصال اردوغان بمحمد بن زايد، والان زيارة الوفد المصري الي تركيا لبدء الجولة الثانية من المباحثات، كل ذلك مثل ارهاصات إعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين دول المنطقة.

ستعتمد قدرة تركيا على تحسين علاقتها مصر بشكل كبير على مدى تقليص أنقرة دعمها لنشاط جماعة الاخوان فقط كبادرة حسن نوايا ودليل علي التزامها وتغير فكرها ونظرتها لشعوب الشرق المتوسط، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، سيؤدي ذلك الي تخفيف التوترات مع القاهرة وعلى هذا الأساس ايضا إلى فتح الباب لأنقرة لتحسين علاقاتها مع أبو ظبي والرياض، وما يتبع ذلك الانفراج الجيوسياسي مع مصر وشركائها في المنطقة إلى عائد تجاري هائل لتركيا في ظل ازمتها الاقتصادية واضطرارها مؤخرا الي اقتراض 6.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي ورفع أسعار الغاز والكهرباء 15% و 12% علي التوالي بعد ان كانت رفعت أسعار الغاز قبل شهرين 12%، التقارب التركي مع مصر والسعودية والامارات من شأنه دمج تركيا كشريك رائد يحقق تآزر تجاري يربط معا شرق المتوسط وشبه الجزيرة العربية ومنطقة شرق إفريقيا وبالتالي صعود تركيا كقوة اقتصادية مشتركة بين الأقاليم.