يتوالي الندوي حديثه عن شاعر الإسلام محمد إقبال بعد أن عرفنا علي الكتاب ( سيرة خير البشر ) التي جعله حريصا له بشغل قراءة السير النبوية . كان حياته في حب النبي صلى الله عليه وسلم ، كلما ينقدح في باله الأسماء المحمدية يتدفق من عينيه دموع محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه لم يقدر له أن يحج البيت العتيق وزيارة القبة الخضرة لضعف جسده الصغيرة حيث كان يعاني الأمراض الكبيرة والأسقام الجسيمة ، لكنه شد رحاله إلي الحجاز خياليا وشعر رائحة تربتها وتحدث مع النبي صلى الله عليه وسلم بما شاء ، فحينذاك انفجرت من شفتيه قريحة الشاعر وطرح أشعار الحب والحنون ، وكان شعره بحب النبي صلى الله عليه وسلم من أبلغ أشعاره وأقواها ، ويقول محمد إقبال بسفره إلي المدينة الخيالي أنه يزور بما فتح الله عليه ويزداد الشوق لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي ويسلم عليه وينتهز فرصته كما ينبغي ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم عن بلاده وفترته وحوائله التي يجابهها ، هذه الأحداث الخيالية يجمعها لأصدقائه وتلاميذه باسم " هدية الحجاز " . ولا يوجد أدني لريب أنه هدية مباركة للعالم الإسلامي .

ويردف قائلا عن هذه الرحلة وهو في ستين من عمره الذي ضعفت قواه ، وقد أضعفه المرض والشيخوخة ، ونصححه الأطباء بالراحة والهدوء ، وعلا صوته وهو يصرخ بمحبة نبي الثقلين : " لقد توجهت إلي المدينة رغم شيبي وكبر سني ، أغني وأنشد الأبيات في سرور وحنين ، لا عجب فإن الطائر يطير في الصحراء طوال نهاره ، فإذا أدبر النهار وأقبل الليل ، رفرف بجناحيه ، وقصد وكره ليأوي إليه ويبيت فيه " .

فأما الشاعر بدأ سيره إلي المدينة وهو شيخ ومريض ، فرحل الناقة بين مكة والمدينة وهو يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحب إليه أن يسجد سجدة واحدة في الرمضاء ، وملك عليه شوق الغناء عن خاتم النبي وبدأ يغني بأسلوب مدهش ، بدأ الناس يسألون: من هذا الأعجمي الذي يغني بلغة لا نفهمها ، لكن في شعره لذة المحبة والحنين وأحس إليه كل ما يعاني من السهر وقلة الطعام والشراب وغيرها ، لكنها ذهبت هباء منثورا بشدة شوقه إلي المدينة ، هكذا تجول حوله نزهة المشتاق في سفره حتي يصل إلي المدينة المنورة ، فتعجب ويلقي أشعاره الجميلة ويشكو عن أزماته وأحوال الهند ، لاسيما أحوال الأمة المسلمة . ويتذكر محمد إقبال فتنة اللادنية التي أصيبت للعالم الإسلامي ، بعد نظر ثاقب وبحث عميق يعرف محمد إقبال وهو من كبار علماء الفلسفة والسياسة وعلم الاقتصاد أن سببها خواء الروح وبرودة اللباب والحياة التافهة الباذخة التي يعيشها كثير من الناس ، وأنه رأي الفقر عند المسلمين بها ، ويتساؤلون من غيرهم ، وبها يقول محمد إقبال: " إن جملة القول ما كنا جديرين بك يا رسول الله " .

لا ريب أن محمد إقبال قضي حياته بمقاومة مع العصر الحديث ، وأيضا تمرد علي العلوم الغربية وأتفلت من شباكها ، وحافظ عقيدته وتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قام بتأليف الكتب الجمة فلسفيا وفقهيا ، وحصل علي قبول واسع عند المجتمع ، ويقول : " إن العالم الديني لا يحمل هما ، إن عينه بصيرة ، ولكنها جافة لا تدمع ، لقد زهدت في صحبته لأنه علم ولا هم ، وأرض مقدسة ولا زمزم " . ثم يلمح إلي حجاز لأنها تحمل العلم كثيرا وعقلا كبيرا ، لكنها جافة لا ماء فيها ، وجبال ليس فيها زمزم ، فأما هو يشبه العالم الديني بأن له علم كاف وعقلا تام لكن ليس له لوعة في قلبه ، وأيضا يشكو مرارا وتكرارا بحزنه وجزعه علي تغير حالة الأمة المحمدية ، ويختم قصيدته باسم ملك الحجاز المرحوم عبد العزيز بن سعود ، ويقول : " اضرب خيمتك حيث شئت في الصحراء ، ولتكن خيمتك قائمة علي عمدك وأطنابك ، ولا تنسي أن استعارة الأطناب من الأجانب حرام " ...

بقلم أحمد سهيل كاسركوت