هكذا يُختزَل حال عمالة الأطفال في مصر بالـ "الأشغال الشاقة"، حيث يتم إغتصاب أدنىٰ حقوقهم في عيش حياة كريمة والتمتع بفترة الطفولة، وسرقة لأحلامهم علنًا، وهي إغتيالًا لروح الطفولة بكل معانيها، وتعتبر هذه الظاهرة السبب الرئيسي في مشكلة الانفجار السكاني، في ظل انتشار المفاهيم والأفكار الخاطئة، حتى وصل الأمر ببعض الأسر إلى إنجاب الأطفال بكثرة لاستغلالهم وإلحاقهم بالعمل، واعتبارهم مصادر دخل الأسرة، وكشف المسح القومي لعمل الأطفال في مصر، الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والبرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال، عن وجود 1.6 مليون طفل أعمارهم بين الـ 12 و17 سنة، يعملون ويمثلون 9.3% من الأطفال "طفل من كل 10" مدفوع إلى العمل. ويرتفع معدل عمل الأطفال، كثيرًا في المناطق الريفية عنه في "الحضر" ويبلغ ذروته في ريف صعيد مصر، ثم ريف الوجه البحري، ثم المحافظات الريفية الواقعة على الحدود.

أما الحِرف التي يمارسوها، فيأتي العمل بالزراعة، على رأسها رغم خطورته بنسبة 63%، ثم العمل في المواقع الصناعية كالتعدين والتشييد والصناعات التحويلية بنسبة 18.9%.
ولا يخفىٰ علينا ذلك السلوك الذي تتبعه الأطفال سواءًا بإرادتها أو قَصرًا نظرًا لأسباب عديدة منها :
1_ عدم وجود من يعيلُه من الوالدين أو الأهل عمومًا.
2_زيادة حالات الطلاق وفي حالة أن الأم هي المُعيل والمسؤول فإن بعض الأطفال تلجأ للعمل تخفيفًا للعبء الذي تحملُه الأم وهذا السبب له النصيب الأكبر في عمالة الأطفال بمصر.
3_ثقافة المُجتمع الذي ينشئ فيه الطفل فـ بعض القُرى والعشوائيات يشيعُ فيها نظام تشغيل الأطفال بدايًة من سن 7 أعوام وما فوق ذلك.
4_تسريح بعض الآباء لأبنائهم كضمانًا لإستمرارية مصدر الرزق.
5_إستغلال أصحاب العمل بأنواعه المختلفة لـ الأطفال نظرًا لـ دُنُّو ثمن أُجرتهم، مما يجعل الأطفال لقمة سائغة في أفواه أصحاب العمل.
5_عدم تجريم القانون لعمالة الطفل فعليًا رغم وجود ما يُجرّم عمالة الأطفال دون سن الـ 18 وعدم العمل به يزيد من نسبة العمالة تلخيصًا لمقولة " من آمِن العقاب، أساد الأدب"
6_ عدم إرتباط التعليم بالحياة الواقعية وإرتباطه فقط بالإمتحانات يعتبر من أكبر أسباب تسريب الطُلاب من المدارس والذهاب للعمل في سن مُبكرة.

النتائج المترتبة على عمالة الأطفال في مصر :

* التشوه الفِكري والأخلاقي الذي يترك آثره في الطفل مما يُنشأ مُجتمع ترتفع به نسبة الجرائم والجهل والأمية نتيجةً قضاءه فترة تكوينه أسيرًا للقمة العيش.
*وجود نسبة تسرب من التعليم للمرحلتين الأساسيتين في الحياة العلمية للطفل وهما المرحلتين "الإبتدائية والإعدادية"،يترتب عليها النتيجة الأولى التي تم ذكرها.
* خلق تشوهات نفسية بنفس الطفل نتيجة عيشُه فترة أساسية من عمره كضحية للمجتمع مما يترتب عليه خلق أفراد يميلون للعدوانية نتيجة لعدم إحساسهم بالأمان وعدم وجود مُرشد ومُربي يعمل على توجيههم سلوكيًا وفكريًا.
وقالت إيمان عبدالله، استشاري علم النفس والعلاج الأسري، إن عمالة الأطفال انتهاك لحقوقهم، وأشبه بالإتجار فيهم، واستباحة عالمهم في أكثر المراحل خطورة في حياتهم، كما أنها كارثة تؤدي لتشوه النُشء فكريًا،مضيفًة: "عمالة الأطفال قنابل موقوتة ينتج عنها زيادة في نسبة الجريمة ليصبح الطفل بطبيعة الحال عدواني لشعوره الداخلي بأنه ضحية للمجتمع".
وحذرت استشاري العلاج الأسري، من مقولة: "نزل ابنك يشتغل علشان يبقى راجل"، موضحة أن الطفل دون الـ18 عام مسئول من ولي أمره لأن خلال مراحل الطفولة يجب أن يمر بمراحل نفسية وانضباط سلوكي وديني، دونهم يخرج بإضطرابات سلوكية، ولا يملك القدرة على التحكم في النفس، ويصل به الحال إلى مرحلة انعصاب بيئي من الضغوط البيئية.

كيفية التقليل من هذه الظاهرة ؟

أولًا على الحكومة القائمة مُراعاة ظروف الأفراد ذوو الدخل المنخفض الذي يكاد يُصبح بلا دخل وأصحاب النسبة الأكبر منهم هم العمالة الغير منتظمة كـ فئة "الفواعلية، الصيادين، المزارعين، الصنايعية.. إلخ، وتسهيل بعض المتطلبات الأساسية لحاجاتهم، والعمل على زيادة الأجور للعمالة المنُتظمة.
على" المجلس القومي للطفولة والأمومة مُحاربة تلك الظاهرة وتكثيف جهودها لمناهضة نظام تشغيل الأطفال.
علي الإعلام بكل أنواعه تسليط الضوء على هذه الظاهرة ومناشدة الجهات المُختصة بذلك على العمل على تقليلها حتى التخلُص منها.
وعلى النظام القائم بأعمال القانون وتحقيق العدل أن يُغلظ من عقوبة تشغيل الأطفال، وكذا تجريم العمل دون تخطي مرحلة التعليم الثانوية.
على وزارة القوي العاملة بذل جهود من جانبها بتفعيل أنشطة التفتيش على المنشآت الُعمالية.
حث الآباء وتوعيتهم على أن مرحلة الطفولة للأبناء هي أهم المراحل التي يتم فيها تنشأته وتقييم سلوكه الأخلاقي والفِكري.
على وزارة التضامن الإهتمام بالمُشكلة وإعطائها نصيبًا من العمل عليها وعلى تقليصها وعمل دورات توعوية بالمناطق النائية بالقُري بصعيد مصر ومدن الوجه البحري.
وآخيرًا علينا جميعًا الوقوف في وجه تلك المشكلة، وتجنُب عوامل حدوثها وفي حالة رؤية حالة تشغيل لطفل يُرجىٰ الإبلاغ عنها عن طريق الإتصال على الرقم 16000 وهو خط نجدة الطفل بمصر.

كَتبهُ : أحمد الوطني.