إن فهم الإنسان للحياة من حوله وكل ما يتعلق بها من أمور الدنيا والدين، وما يتصل بذلك من نُظم وديانات ومجتمعات وثقافات وحضارات وغير ذلك مما له علاقة بالإنسان؛ أقول: إن فهمه لذلك هو الذي يساعده على الاهتداء إلى الصراط المستقيم، واتباع الدين القويم، والسير إلى الله على هدى وبصيرة.

ومن هنا كانت محاولة المؤلفة الدكتورة إيمان سعد الدين، في كتابها هذا "الثقافة الإسلامية والتحديات المعاصرة"، وضع تصور واضح عن الثقافة الإسلامية وأسسها ومنطلقاتها، ليكون الكتاب لبنة أخرى تضاف إلى الصرح الذي شرع في تشييده ثلة من المفكرين والعلماء المسلمين، من أجل بناء مفهوم "الثقافة الإسلامية "، وهي أعمال محمودة وجهود طيبة مشكورة، يجب علينا نحن المسلمين الاعتناء بها ومواصلة السير على منوالها حتى نتمكن من رسم لوحة "الثقافة الإسلامية"، وإتمام فصولها؛ ونقدمها لشبابنا واضحة قوية متكاملة، ومن أجل أن نعرضها على الآخر في أبهى حلة وأجمل طَلّة.

تعريف المصطلحات الرئيسة:

اعتمدت المؤلفة في كتابها على الأسلوب اليسير واللغة السهلة السلسة، فلا تكاد تجد لفظة غامضة أو تركيبها معقدا، كما تعرضت لمفاهيم عديدة، وعملت على توضيحها وشرحها انطلاقا من تعريفها لغويا واصطلاحيا، وسرد نقاط الاختلاف بينها.

مصطلح الثقافة:

فساقت لفظة: "الثقافة"، وتطرقت إلى أصلها اللغوي، وهو: ثَقُف [بفتح فضم]، وله معان متقاربة، من بينها: التأديب والتقويم والتفهيم، أما من حيث الاصطلاح، فقد تعددت تعريفات الباحثين لهذه المفردة، وما خلصت به أنها: مجموع المعاريف والتقاليد والأخلاق والقيم التي تؤمن بها أمة معينة وتتناقلها جيلا عن جيل.

الفرق بين العلم والثقافة:

ثم انتقلت الكاتبة إلى الحديث عن الفرق بين العلم والثقافة، فأدرجت تحت ذلك المبحث عدة نقاط. منها:

- أن العلم يتوصل إليه من خلال مناهج منطقية قائمة على الملاحظة والتجربة، أما الثقافة فتنشأ عن طريق التلقي والسماع والتداول.

- أن العلم عالمي لا يختلف من حضارة لأخرى، أما الثقافة فتصطبغ بالطابع الخاص بكل حضارة.

- أن العلم يرتبط بشكل كبير بالإدراك، أما الثقافة فترتبط بالدرجة الأولى بالسلوك الإنساني.

خصائص الثقافة:

ثم بعد ذلك جرها الحديث إلى ذكر خصائص الثقافة عامة، فكان من بين ما ذكرت:

أنها نتاج إنساني. أنها كونية. تكاملية. تناقلية.

موارد الثقافة الإسلامية:

وفي خضم حديثها عن معان الثقافة الإسلامية ومناهلها، أوردت هناك ستة أمور مهمة جدا، وهي:

أولا: القرآن الكريم: بكونه كلام الله المنزل على خاتم الأنبياء، فيه هدى للناس ونور وسكينة، ولخصائصه المعجزة المتمثلة في الشمولية والخلود، وصلاحيته لكل الأمصار والأعصار.

ثانيا: السنة النبوية: شارحة القرآن ومبينة مجمله ومخصصة مطلقه.

ثالثا: الإجماع.

رابعا: القياس.

خامسا: السيرة النبوية.

سادسا: التاريخ الإسلامي.

وهناك مصطلحات أخرى تناولتها الدكتورة بالشرح والتفسير، من قبيل: الحضارة والمدينة.

تحديات الثقافة الإسلامية:

أما في الجانب المتعلق بالتحديات المواجهة والمتصدية للثقافة الإسلامية والدعوة القرآنية، فإنها لم تؤت الأمر حقه، واكتفت بالحديث عن بعض الجهات والمنظمات العاملة على إضعاف الإسلام وتخريب كيانه وإفساد أبنائه. ومن تلك الجهات:

الصهيونية العالمية: والتي تتخذ أشكالا متعددة وترتدي أقنعة مختلفة، ومن أشهرها الماسونية، ونوادي الروتاري، والبهائية البابية، والقاديانية.

الصليبية العالمية: ولقد نهجت في أول الأمر سبيل الحروب والدماء، ولكن خسائرها كانت أشد من غنائمها، إن كانت هناك غنائم، ثم بعد ذلك نهجت طريق الحيل والمكر، وسلكت أساليب ملتوية.

التبشير (التنصير والتضليل): وهو أخطر ما يتهدد الإسلام ويحدق بمستقبله، خاصة وأنه يعتمد على قاعدة تنظيمية محكمة، وتمويلات مالية ضخمة، ويسخر في سبيل ما يصبوا إليه الوسائل الأكثر تأثيرا في الأمة، وعلى رأسها الإعلام بمختلف أنواعه، سواء المرئي منها أو المكتوب أو المسموع.

الشيوعية والعلمانية: وهما في الأصل صناعة يهودية، تجعل القضاء على الإسلام وتضييق نقاطه من أبرز مهامها، إن لم تكن مهمتها الوحيدة.

ومن المواضيع التي أثارتها الكاتبة؛ ثلاثة مواضيع حساسة جدا.

الأول: الإسلام والعلم:

يحاول أعداء الإسلام الترويج لصورة مشوهة عن علاقة الإسلام بالعلم، ويذيعون عنه أنه يحارب العلم ويحجر العقول، ويدعوا إلى الانكماش والانطواء على الذات، والانعزال في الصوامع، وذلك راجع عند بعضهم إلى سوء الفهم وقياسهم للإسلام على الديانات الأخرى التي كانت حقا تعمل على طمس العقل وتقييد قدراته بعد تحريفها، وتجبره على الإيمان والتسليم بالخرافات والأساطير، أما الإسلام فهو على النقيض من ذلك تماما؛ فهو يحث على التعلم والنظر في النفس وفي الكون، والسير في الأرض لدراسة الأمم الماضية وتاريخها، للبحث في السنن الكونية وفهمها.

وعاشت مملكة العلم أزهى أيامها في ظل الإسلام، حيث برز كثير من العلماء المسلمين وغير المسلمين في مختلف المجالات العلمية في تلك العصور، كالفلك والطب والهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء والميكانيك وغير ذلك. ومن بين الأسماء التي لمعت في تلك العصور نجد: البيروني، ابن سينا، الخوارزمي، عباس بن فرناس، الأنطاكي، والحسن بن الهيثم.

في حين كانت أوروبا تعيش ما اصطلح عليه بعصر الظلمات، ظلمات الجهل والتخلف، ظلمات التعسف والاستبداد، وحيث كانت الكنيسة تمسك المجتمع بقبضة من حديد، وتُسعِّر للعلماء وكتبهم نارا تكاد تفور تميز من الغيظ. ودامت على تلك الحالة قرونا وعقودا طويلة إلى أن احتكت بالعالم الإسلامي المتحضر، فتعلمت منه فنون الحضارة وأصول العلوم.

الثاني: المرأة:

استُغل موضوع المرأة استغلالا خطيرا، واستعملت كسلاح ضد مجتمعاتها وأمتها، وخدعوها في دينها وهويتها، وهمسوا في أذنها بشعارات الحرية والتمدن والتقدم، فاغترت بالمجتمعات الأوروبية ونسائها، وزينوا لها التعري والفسوق والانحلال.

إن المرأة هي الركن الأساس في بناء المجتمع وإعداد الأجيال، وهي المدرسة الأولى والأهم، فإن خسرنا هذه اللبنة وأضعناها فإننا نعرض استمراريتنا للخطر، ونصبح مهددين بالانقراض الثقافي الديني الحضاري.

إذا أردنا بناء مجتمع وأمة قوية متطورة راقية، فلا بد من تعليم المرأة وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الصحيحة، وإعادتها إلى كيانها الأنثوي العفيف الحيي الطاهر، وتبصيرها بحقوقها التي أتى بها الإسلام وضمنها لها، وأن نبصرها ـ أيضا ـ بما أوجب عليها لكونها إنسانا كاملا مكلفا مسؤولا عن تصرفاته وأفعاله، وباعتبارها مشاركا فاعلا في مهمة الاستخلاف التي أناطها الله بالإنسان.

إن تاريخ المرأة قبل الإسلام هو: تاريخ مليء بالمآسي والآلام، طافح بالاستغلال الوحشي لجسدها، والاستهتار بكيانها وشخصيتها. لم تُعرف المرأة في الأمم الأخرى إلا كجزء من الممتلكات والأثاث، تباع وتشترى وتورث، ونظرت إليها كثيرا من الفلسفات والديانات على أنها عار لابد منه، ولعنة مرغوب فيها. بينما كان الإسلام أول من شرع للمرأة حقوقها وفرض على المجتمع احترامها وإنصافها، وأعاد لها كرامتها وإنسانيتها.

ثالثا: العلاقات الدولية:

إن الأصل في علاقات المسلمين مع غيرهم، أن تكون مبنية على أساس السلام والأمان، وحفظ الأموال والأعراض، ولا تكتسي طابع الحرب والنزاع إلا في حالات نادرة، كرد عدوان قائم أو محتمل، أو نصرة المسلمين المضطهدين في بلاد غير المسلمين.

ثم إن الإسلام يدعوا إلى البر والإحسان والإقساط في التعامل مع غير المسلمين غير الحربيين، أما إن كانوا حربيين ثم مالوا إلى المسالمة والأمان، فإن الله تعالى يأمر بأن نسالمهم وأن نكف عن قتالهم، وفيما يخص غير المسلمين في بلاد الإسلام فلهم حالتان: إما أن يدخلوه بعقد ذمة أو عقد أمان، وفي كلا الحالتين فإنهم يعيشون في أمان، ويكفل لهم الإسلام كافة حقوقهم الدينية والمدنية.

وللتوسع في هذا الموضوع والاطلاع على مضمون كتاب قريب من مضمون هذا الكتاب، أدعوك لقراءة ملخص كتاب: منهج الإسلام في بناء العقيدة والشخصية، للأستاذ أنور الجندي.