في دياجير الظلام وسواد العتمة، تحرق الشمعة من ذاتها وتهرق دمعها مدرارا، تنير الفضاء بشمعها المذاب حسرة وتأسفا على التائهين الضائعين في دهاليز الضلال والحيرة، فيتخذ أهل الحصافة والنهى - وقليل ما هم - من شعاع الشمعة سراجا يهتدون به ويسيرون على ضيائه لا يحيدون عن اللاحب القويم والصراط المستقيم، ولكن الضالين الغافلين من الفراش لا يهتدون بنور الشمعة، بل يقصدون فتيلها ويحومون حول شعلتها فتحترق أجنحتهم ويسقطون هالكين.

وهذا مثال من سار في صحراء الفكر القاحلة المقفرة لافتقارها إلى أمطار الوحي التي تحيي الفطرة وتقوي الحصافة وتشحذ ملكة النظر والتفكر. أقول بأنهم ساروا هائمين على وجوههم يبتغون الحق من غير سبيله فذاقوا وبال أمرهم؛ ذلك بأنهم حاولوا تحقيق العلم بالله وإدراك صفاته وأسمائه من خلال التفكر في الله تعالى وإخضاعه ـ تعالى عن ذلك علوا كبيرا ـ لقوانين الفهم البشري القاصرة النسبية، واحتكامهم في ذلك إلى المنطق وقياساته الصورية الضيقة.

الله نور السماوات والأرض، يهدي لنوره من يشاء، ولا ينبلج نوره ولا تضيء مشكاته، إلا في قلب مؤمن أعمل النظر وسخر الفؤاد للتفكر في ملكوت الله ونواميسه المبثوثة في مخلوقاته العلوية والسفلية، في آياته التكوينية والتنزيلية، ولم يتكبد مشاق التفكر في ذات الله، ولم يتجشم مخاطر العلم بالله بالدروج على سبيل الفلاسفة والمناطقة.

الإنسان مكرم ومفضل على كثير من المخلوقات، وتمام التكريم احترام قدرات هذا الإنسان وحدوده، فمن أعمل الفكر في غير وظيفته وطلب به ما ليس في طَوْقه فقد نكس الفكر وأفسد آلته؛ أوليس من حاول الأكل بقدميه وقد أتاه الله يدين سالمتين عابث مجنون؟ وكذلك من قصد النفاذ إلى عالم الغيب بواسطة فكره القاصر وخياله العيي، في حين أن الله عز وجل قد أنزل إلينا كتابا مفصلا فيه كل ما تلزمنا معرفته عن عالم العيب!

ينهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله بقوله: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله" (حديث حسن، صحيح الجامع الصغير وزياداته، رقم: 2976)، وبإزاء هذا النهي يرد الأمر بالتفكر في خلق الله، فذلك هو سبيل التعرف، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191].

ففي هذا الخلق البديع والصنع العجيب آيات وعلامات تدلنا على الخالق سبحانه وتعرفنا به، فلنتعرف على الله بآياته، ولا نفعل فعل الفراش الذي وقع على فتيل الشمعة فاحترق وهلك وترك نورها المبثوث في الفضاء.

ثم إن العلم لا يكون إلا بالفكر المقرون بالذكر، فذكر الله والتفكر في خلق السماوات والأرض هو السبيل إلى العلم بالله المُورِث لخشيته، وبذلك يصدق علينا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، ولا يحصل هذا العلم - كما سبقت الإشارة - بالنظر المجرد في ملكوت السماوات والأرض، بل لا بد قبل ذلك وأثناءه وبعده، من مداومة النظر والتلاوة لآي القرآن؛ فكلام الله تعالى هو أعظم وأبلغ دال على الله، وهو أخْصَرُ وأضمن طريق مبلِّغ إلى الله، ولقد جاء في الحديث: "أبشروا أبشروا؛ أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا" (السلسة الصحيحة، رقم: 713).