هل برد القلم! أم بردت المشاعر! أم السماء تلبدت فيها غيوم رمادية! لا تمطر ولا حتى تفسح مجالا ليسبح الخيال..

 شتاء بارد.. لا كلمات، ولا مطر، لا ثلج، ولا خبز ساخن، لا كستناء، ولا أحاديث مسائية تطول....كل الذكريات التي تعود من هجرتها برفقة الحنين كل شتاء حاولت منعها من الدخول أغلقت جميع نوافذ القلب بإحكام. 

لا أعرف كم قاومت، وأي لحظة ضعف استغلتها لقد نخرت في قلبي وجسدي أكثر من الثلج الذي شهدته آخر مرة منذ تسع سنوات... كانت آخر مرة ألتقيه ونلتقي الشتاء معا.. في مثل هذا الشهر أكثر شهور السنة بردا و جفاء و وحدة قبل خمسة وعشرين عاما أبصرت أول نور، وأول ظلام في هذا العالم، وطبعت شفتا أمي أول قبلة بين عيني بكل رقة.. و في مثل هذا الشهر قبل أعوام لا أذكر عددها التقيته أول مرة و تصافحت قلوبنا من غير حول منا ولا قوة... وجدتني في قلبه ووجدته يملئ كوني.. علمني الطفولة من جديد بعدما أنهيتها باكرا و علمته الكثير من الطيش.. و في هذا الشهر سيست الحرب أفكارنا و أبحر كل منا في ذلك البحر الهائج الذي آمن به.

هل من حسن حظ هذا العالم أنني هنا!! هذا ماخطر على بالي مع إشراقة شمس هذا اليوم. كان يوما عاديا عدا بعض عبارات التأنيب التي تجتاحني منذ خمس سنوات تقريبا كلما أكملت عاما جديدا من حياتي... هل حقا أنا موجودة هنا فقط لأتقاسم الهواء مع من يستحقه أكثر مني؟؟...

ماذا عن الوعود؟

ماذا عن الأحلام؟

ماذا عن كل ما فعلت! وماذا عن قادمات الأيام؟

ربما أكثر مايسلب من حياتنا بسهولة وفي غفلة منا... "الوعود و تلحق بها الأحلام لتتحول صورا مشوشة أو لوحات ملونة للذكرى" لطالما وعدها بأن يبقى لكنه قد رحل...

قتل الفراغ و الوحدة معا كل صور الحياة و تنفست الهواء عن طريق بعض الكتب والقصائد و الكثير من الألوان..  كنت كلما قرأت قصيدة غزل في صفحات إحدى الكتب قد كتبها الكاتب بالتأكيد لمحبوبته التي اقتبسها من الواقع أتخيل نفسي القصيدة بين ؛عيني الفتاة تقرأني فأشاهد تعابير وجهها كيف تتبدل و ألمس طرف قلبها فأشعر بنبضه يسرع و أكاد أحترق أه كم ارتفعت حرارة كفيها.. أتمنى لو أنني قصيدة بقوى خارقة فأبتسم لها و تعانقني و كأنني ابتسمت فعلا فأحترق أكثر بحرارة صدرها...

كل مرة أسأل نفسي عادة تتخيل الفتيات أنفسهن المعشوقة التي تلقت القصيدة لماذا لم يغريني هذا التصور و لو لمرة واحدة؟

هل كان علينا إذا أن نبقي أقدارنا مربوطة بكوننا بشر حتى في مساحة الخيال و التأمل فلنسبح قليلا يحق لنا الابتعاد نحو الحقيقة.. الكلمات عندما تتحول لقصائد تكون صادقة ... صادقة فهي خرجت من القلب ونسجت بنسيجه من غير وعي.. عندما يعي الإنسان لحظاته يزيفها ويشوهها ولا سبيل لي إلا أن أكون قصيدة لأتحلى بالصدق و أرتدي مشاعر الحقيقة .

حدثت نفسها كل هذه الألوان من التساؤلات و شكلت لوحة يومها الصارخة بأجرأ الألوان كعادتها....

نظرت إلى الساعة خلفها.. العقارب ساكنة منذ يومين على الأغلب، لكن الشمس تراجعت عن نافذتها الغربية أسدلت نظرها نحو جسدها و إذ بفستانها الأبيض البسيط قد تحول إلى لوحة مدهشة بفعل الصدفة. رصفت لوحتها السابعة عشر و التي لا تختلف كثيرا عن سابقاتها بالقرب من اللوحات التي تعدها باجتهاد متواصل تحضيرا لمعرضها الأول و الذي تفكر أحيانا بإلغائه.. تخاف أن يدخل الزيف حياة فنها الذي تسقط فيه كل أفكارها الصادقة على شكل ألوان كما يفعل الشعراء بالقصائد. .

خرجت من مرسمها و تناولت فستانها الأسود الوحيد الذي لا يعج بالألوان من بين كل قطع ملابسها، ارتدته و دارت أمام المرآة التي لاتخلو من بعض لطخ الألوان دورتين... ها أنا ذا قصيدة تنوي الاحتفال بميلادها الخامس و العشرين بفستان أسود لأول مرة كما تفعل الفتيات الباحثات عن أنوثتهن الطاغية بين ثنايا هذا اللون الذي فارق الحياة قبل قرون.. همست لنفسها.....

أسدلت شعرها الكثيف المجعد فوق كتفيها، أعادت رفعه بأناقة و تذكرت.. كم ستبدو ناضجة على غير عادتها و قصيدة مكتملة لو لونت شفتيها باللون الأحمر الفاقع الذي لايبرح يرافق الأسود في هكذا مناسبات ارتدت حذائها ذو الكعب العالي الذي ورثته عن أختها مصادفة جلست تقرأ عشر قصائد و كتابا يتحدث عن فتاة تحتفل على طريقتها كل عام بميلادها. لاتنتظر من أحد أن يتذكر ذلك اليوم الخاص بها فهي الوحيدة التي تعتبر وجودها في هذا العالم حقا فرصة سعيدة جدا.  قاطعها جرس الباب على مايبدو أنها ستعيش هذه المرة تجربة غير تجارب الأوراق و الكلمات التي تؤمن بصدقها.. لم تجد سوى باقة من الأزهار الملونة و المنوعة لابد أنه شخص يعرف تفاصيل قلبها جيدا.. فتاة تحب كل ألوان الورد ماعدا الأحمر، و تكره الشوكولاته، ولاينقص هذا من أنوثتها أبدا. بطاقة مع الأزهار كتب فيها "صغيرتي و قصيدتي الصادقة، يا لوحتي الملونة، سأعترف لك إني منذ ثلاث سنوات أحتفل بك بمثل هذا اليوم بمفردي كما تفعلين أنت الآن و أخيرا أنت اليوم تشاركينني احتفالي بكامل أنوثتك.. ستسألين لماذا ذكرت ثلاث سنوات من أصل تسع مضت و الجواب يبدو أن خلافنا احتاج أكثر ما توقعنا من الوقت.. شكرا لك يا أجمل القصائد"

رجعت خطوتين إلى الخلف مدهوشة و كاد الحذاء المغفل يعيق حركتها فتسقط لكنها أسندت نفسها نحو الباب وهمست لنفسها لابد أنه هو هل حقا عاد ليقنعني ألا أتخلى لا عن الألوان ولا عن القصائد؟ إذا عاد ليملئ شتائي بالكلمات، و الدفء و رائحة الكستناء، و الأحاديث التي لاتنتهي كل شتاء عاد أسرع مما توقعت. ربما أراد أن يكمل رسالته و يكتب "الموت للحروب و كل آرائها" و الآن ها أنا أصرخ بملئ صوتي بها "الموت للحرب و الموت لآرائها التي فرقتنا".