الإدمان -٢-

..

أثار موضوع الإدمان ضجّةً كبيرةً في بحثه من الجانب العلمي والنّفسي، والحقيقةُ أن الإدمان مزدوجٌ بينهما تابعٌ لكليهما كما أقرّ بذلك علماء كلا المجالين، حتّى وإن اتّفقوا في الأصل وتفرّقوا في الفروع ..

.

في القديم كان العلم مركزًا على العضو وآليات الجسد والبحث في مجالِ الطب أو علوم الإنسان وكيمياء طبيعته، وبالتالي قد بزغ الإدمانُ كعرضٍ -أو مرض- تابعًا لعلم الجسد واعتبره العلماء حالةً جسمانيةً يتأثّر فيها المُدمن عضويًا، 

حيثُ أنّ دماغ الإنسان مسؤولةٌ عن إفراز قدرٍ معيّن من هرموناتٍ يحتاجها الجسد، وعند تعاطي المواد المخدّرة فإنها تقوم بتنشيط نظام في الدّماغ يدعى المكافأة المتوسطة يقول "لوشر" : يقوم نظام المكافأة المتوسطي بإفراز الدوبامين في منطقة ما يسمى بـ tegmental البطنية (VTA) للدماغ، المواد الإدمانية مثل النيكوتين ، الكوكايين ، أو الهيروين ، تستهدف عملية خلوية مختلفة ، أو جزءًا مختلفًا من VTA، ولها تأثير مباشر على الخلايا العصبية لزيادة الدوبامين والتي تقوم بدورها بتعزيز الشعور بالسعادة، مما يدفع الإنسان إلى محاولةِ تكرار التجربة، وبتكرارها يبدأ الجسد الاعتياد على المستقبلات الخارجية الخاصة بهذه الهرمونات، فيتوقف تلقائيا عن إفرازها، وهو ما يجعل الإنسان في حالةِ حاجةٍ مستمرّة لهذه المواد ما إن ينتهي مفعولها ..
وفي تجارب للعلماء للبحث في آثار المواد المخدّرة على الجسم فقد درس "لوشر"وفريقه الإدمان باستخدام الفئران. في واحدة من تجاربه، تمتلك الفئران رافعة يمكنها الضغط عليها في أي وقت، وعندما يضغطون على الزر يقوم مستشعر بصري خاص يتحكم في خلايا عصبية معينة في الدماغ ، بتنشيط الدوبامين.
يبدأ الفأر بسرعة في إظهار علامات دالةً على السلوك الإدماني حيث أنه يواصل الضغط على الرافعة لتلقي المزيد والمزيد من الدوبامين.
يقول لوشر : "إذا لم نأخذهم من القفص بعد ساعتين ، فلن يأكلوا ، ولن يشربوا ، ومن ثم ربما يموتون بسرعة ، ولكن بسعادة كبيرة".
..

لمشاهدة التجربة هنا 

http://sciencenordic.com/mice-experiments-explain-how-addiction-changes-our-brains

..

.

ومع تقدّم العلوم وإقرار مجال علوم النّفس والأمراض النّفسيةِ ظهر مصطلحُ الإدمان عند علماء النّفس في اتّجاه آخر، لا يتقاطع مع اتّجاه علوم الجسد، وإنما ينطلقان من تعريف الإدمان على أنه اعتيادٌ -جسديّ أو نفسي- يعتمدُ فيه الإنسان على موادٍ مخدّرةٍ لجسده، أو أفعالٍ مُلهيةٍ لنفسه حتّى يعتادها ثمّ لا يجدُ في نفسه القدرةَ على الاستغناء عنها، وإن كان علماء العضو قد ساروا بالإدمان على منحنيات الجسد وسلوكه على الجهاز العصبي فقد سلك به أطباء النّفس مسالكها وبحثو تأثيراته عليها وعلى سلوك المرء الناجم عنها، فاعتبروا أنّ الإدمان مرضٌ يصادف حالةً مضطربةً نفسيةً للإنسان يصادفُ فيها جزءًا فارغًا في نفسه وروحه، فيسعى لملء هذا الفراغ إما بألعابٍ أو أعمالٍ أو غيرها، المهم أن يكون في حالةِ شغلٍ عن الفراغ الكامن داخله .. 
والجامع بين المسلكين هو سيطرة حالة الإنتشاء اللاشعوري على المرء مما يجعله متشبّثًا بالسبب غيرَ واعٍ أنها قشورٌ ظاهريّةٌ وأعراضٌ مرضيةٌ لا تمتّ لراحةِ نفسه أو استرخاء جسده بشيء .

..

أنواع الإدمان :

١- إدمان جسديّ : وهو الجانبُ الذي يتناول اعتماد الجسد على المواد المخدّرة، ويظهر أثره الشديد على المرء عند انقطاع هذه المواد عنه، وفيها يبدأ الجسد باعتياد جرعةٍ محددةٍ ومع مرور الوقت واستمرار تعاطيها يدخل المرء في حالةٍ من التحمل، وفيها تتوقف المادة عن تأثيرها ويتوقف المسكن عن تسكين الألم بنفس القدر وبالتالي يحتاج المريض إلى زيادة الجرعة شيئًا فشيئًا، إلى أن يصل إلى جرعاتٍ فائقةٍ لا يحتملها جسده والتي تؤدي به للوفاة .

٢- إدمان نفسي : وهو أقل ضررًا من الجسدي إذ يتوقف عند حدود حالةِ المرء النفسية أو المزاجية، ولا يتجاوزُ كونه عادةً ينغمس فيها المرء دون أن يطالَ جسدَه نفسُ الأذى النّاجم من النوع الأول 

..

آثارُ الإدمان على الشخص المُدمن .

على الرّغم من المفترق في تعريف الإدمان علميًا ونفسيًا إلا أنّ آثاره النّاجمةَ عنه تصيبُ الجانبين معًا، وتعود بالضرر على صحة الإنسان ونفسه معًا فنجدُ المُدمن يعاني من 
أزماتٍ صحيّةٍ متكررة
ضعف في الجهاز التنفسي
فقد التحكم في الجهاز العصبي 
الهزال، وفقد التركيز 
اكتئاب حاد 
التوتر والاضطرابات النفسية
العصبية والاختلال في الاتزان 

..

أسباب الإدمان :

يرجع الإدمان بنوعيه غالبًا إلى أسبابٍ رئيسيةٍ أولها 
١- سوء الحالة النفسية 
٢- سوء الحالةِ الاجتماعية مع غياب الوعي والتوجيه السليم للفرد، خاصةً الشباب في سنّ المراهقة واضطراب الشخصية
٣- الأوضاع المادية المتدهورة
٤- تختلف الأقوال في عدّ هذا سببًا من أسباب الإدمان وهو التأثير الوراثيّ، لكنّه قولٌ ضعيفٌ يتوقف القول به عند البدء في التعاطي أو الخطوات الأولى عند ولوج عالم الإدمان، وغالبًا فإن الأمر يعزو إلى كونه قدوةً سيئةً وليس وراثيًا .
..

الإدمان، مرضٌ أم اختيار .

بين تأرجح الإدمان وازدواجيةِ تعريفه في المجالين وبين خلافات القول بأنه مرضٌ أو اختيارٌ تجاذبٌ وتنافر ..
تجاذبٌ حيث يميل معناه النّفسي إلى أنّه اختيارٌ وحالةٌ يفرضها الإنسان على نفسه من اعتياد اللذة،
ويميل معناه العلميّ إلى أنّه مرضٌ يتوحش في صاحبه شيئًا فشيئًا حتى يمنعه من القدرة على التّخلص منه .
وتنافرٌ إذ تتشدّق أقوالٌ أخرى بأنه لا علاقةَ لهذا بتعريفه أو نوعه، فالإدمانٌ اختيارٌ يختاره الإنسان واعيًا، ثمّ يتحوّل إلى مرضٍ يصاب به لاواعيًا دون أن يكون شفاؤه منه سهلًا ..
ويرى العالم النفس "جين هايمين" أن الإدمان وإن لم يكن مرضًا فهو اعتلالٌ في الإرادة يصاب به المدمن .
وبين اختلافات الأقوال حول اختيارية الإدمان ومرضيته يسعى قومٌ لوضعِ مبررات للأشخاص المدمين، وآخرون لمحاكمتهم وإلقاء اللوم كاملًا عليهم .
وما لا يُختلف عليه أنّ المُدمن مريضُ جسدٍ ونفسٍ ومُجتمع، إنسانٌ واقعٌ في الموجِ -سواء ألقى نفسه أم أُلقي فيه- يحتاج يدَ المساعدة .
..

المراجع 

- http://sciencenordic.com/mice-experiments-explain-how-addiction-changes-our-brains

- https://manshoor.com/life/addiction-illness-or-choice/

..

لقراءة الأجزاء الأخرى من السلسة 

 https://rqi.im/3lhz

https://rqi.im/BsKo