أعطتنا المعلمةُ يومًا ورقةً بيضاء ثمّ أهدتنا ألوانًا جميلةً، وأوصتنا أن نلوّن فيها كلّ جميل نراه، وأن ننثر ألوان الربيع الزاهية على الورقة حتى تستحيل جنّةً باهية مزدانةً ألوانًا، 

وانطلق كلٌ منا يبدع ويخرج أحاسيسَه تجاه الحياة، عصفورٌ أزرقٌ بريشٍ أصفرٍ على ورقةٍ خضراءَ في شجرةٍ ذات أفرعٍ بنيّة تحوطها السّماءُ بلونها الأزرق الصافي يعكسُ على البحر وميضَ بريقه فتترقرق المياهُ عديمةُ اللون وتتلوّن، وتندى الشواطئُ الرمليةُ الصفراءُ تخادنُ الشمس وتشابهها لونًا وحرارةً، كلّ شيءٍ مُلوّنٌ وبديعٌ، وفي الحدائقِ زهورٌ من خليط ألوانٍ مُتجانسٍ يبعث في النّفس الراحةَ والهناء، 

هكذا كانت نظرةُ عيوننا البريئة نحو الحياة، أيامَ كُنا صغارًا لا نعي ما خلف جُدر حيّنا، ولا نُفكّر إلا في لون الحلوى، وهديّة المُعلمةِ ولعبَ الأقران، لا خطوةَ سوى التي نخطو، ولا فِعال سوى التي نفعل، الأشياءُ بزاويةٍ واحدة، أبيضٌ وألوان، ولا منظارَ للحياة آخر .. ثمّ سرقنا موجُ البحر الذي لونّاه بالأزرق يومًا على حين غرّةٍ قبل أن تُعلّمنا المعلّمة كيف نسبح، وكيف نجابهُ خلائط الألوان وتداخلاتها، أو كيف نستخلص اللون صافيًا من وحلِ قتامته، فغرقنا عند أوّل موجةٍ صفعتنا، واسودّت الدنيا علينا، تشوّشت الرؤية، وغامت الألوان وما عُدنا نرى سوى لون الصراع بين الحياة والموت، على غفلةٍ منّا انتشلت الحياة سنين أعمارنا فكبُرنا، حتّى هرِم بريقُ أعيننا وذوى مع تقصف الألوان التي منحتنا إياها المعلمة، نفدت الأقلامُ والورقةُ البيضاءُ استحالت خرائطَ تيهٍ غير متجانسة، لا تدلّ على لونٍ ولا توصّلُ إلى جهة، وما إن هدأت الموجةُ التي خلّفتنا أجسادًا مُثقلةً ترتمي على شواطئ الرّمال الصفراء تنهتُ من شدّة التّعب حتّى عاجلتنا الحياةُ بالمزيد، لم تعطِنا الوقت الكافي للنظر إلى لون السّماء كما كنّا نفعل، أو التدفءَ بأشعّة الشمس، واستحال الشاطئُ رمالًا طينية قاتمة، والشجرُ باتَ أعجفًا، والحدائقُ أقحلت، ورحلَ الربيعُ من أعيُننا دون وعدٍ بالإياب .. 

ها هو العُمر ينقضي، والموجُ يضربُ حولنا من كلّ جهةٍ حتّى كرهنا الزّرقة التي أودعناها مياه البحر يومًا، لم تعد عيوننا قادرةً على الانفتاح على جماليات الحياة كما أوصتنا المُعلمة، بتنا نغادرُ الموج لننام، ونلجه لننجو، والحياةُ بين نُقطتين ليست خطًا مُستقيمًا دائمًا، ربّما كانت دائرةً من الكَبَد ندور في رحاها حتّى ننتهي ..

أرقبُ الورقةَ البيضاء التي كانت يومًا لوحةَ فنّانٍ على هيئةِ طفلٍ يرى بعين قلبه قبل عين جسده ألوان الحياة، فلا أستطيعُ أن أستخلص لونًا محدّدًا، لم يعلّمنا أحدٌ أنّ الحياة نفسها خليطًا غير متجانسٍ من كلّ لون، وأنّ الرّماديّ هو لونها السائد، حيثُ لا تصلُ إلى أبيضٍ أو أسود، أمواجٌ تروحُ وتجيء تارةً هادئة رتيبةً حدّ الملل، وتارةً رياحًا عاصفةً لا تُبقي فينا إلا أنفاسًا لاهثة ..

لا أدري في الحقيقة هل كانت المُعلمة على علمٍ بأننا يومًا ما سنكبُر ؟! وإن كانت كذلك فلماذا لم تجعل بين الألوان رماديًا نُجاري به سير الحياة لننتهي من لحظات الصراع التي نخوض ؟! هل هناك رماديّ في عالمِ الألوان ؟! أمّ أن الحياة اكتنزته لنفسها وجعلته حصرًا على من يخوضُ يمّها، وهي تعلمُ أنّ الجميع سيفعل ؟! .

كلّ ما أعلمه وأدريه أنّ الورقةَ التي أعطتنا المعلمةُ لم تعُد بيضاء، وأننا لم نُعد مُلوّنين تُزقزق العصافيرُ على أشجار قلوبنا الوارفة، وأنّ الرّبيع فصلُ الرّياحِ وعفر الأتربة أيضًا، وأنّ الحياة سبقتنا بخطوةٍ حين عاجلتنا أمواجها كما تفعلُ دائمًا .

..

عائش