ليتني شخصٌ آخر .


حاجةٌ بشريّةٌ ملحّةٌ على كلّ شخصٍ يرى في نفسه عيبًا أن يتمنّى لو كان سليمًا من هذا العيب، حاجةٌ يدفعه هوسه بها لأن ينقّب عن العيوب حتّى وإن لم تظهر ليتمنّى كمالها الذي يحوزه شخصٌ آخر، فيقف أمام نفسه مواجهًا حقيقةَ أنه غير راضٍ عن نفسه، فيتمنّى لو أنه كان شخصًا آخر، وتبدأ مواهبُ النّقد عنده في الظهور، وكأنّه أمام لوحةٍ فنّيةٍ وهو الذوّيق في الفنّ يعدّل أجزاءها لتظهر بصورةٍ كاملة، هذا موضعه الجهة المقابلة، وهذا ربما كان أفضل لو كان أطول، الزّينة هنا متكلّفة، والرّكن هناك يحتاج شيئًا ينطّقه، ثمّ يكتشف بعدُ أنّه ناقدٌ بلا إنصاف، ينقد بعنجهيةٍ هذا وذاك ثمّ يطلب في الأخير تغيير اللوحةِ كلّها، وحين يُؤتى بغيرها فإنه يعيد الكرّة بصورة أكثر فظاظةً ونفاذًا للصبر .

وبين ناقدٍ لنفسه مُنصفٍ لها، وآخر يتلخّصُ شعورٌ اسمه الرّضا، يسبقُ الثّقة بالنّفس والقناعةَ بها، 

إنه الرّضا، الشّعور الذي لو خلا المرءُ منه فإنّه يحوّل حياته بيده لجحيم الذبذبات، وثقته لبلاء الزلازل، وقناعته بنفسه لمُرّ النّبذ والخذلان، وليس أقسى على المرء من أن ينبذ نفسه، أو يخذلها دونًا عن النّاس .

ما معنى أن أقف أمام المرآةِ كلّ صباحٍ لأتمنّى لو أنني شخصٌ آخر، أجملُ ربّما، أطول، أكثرُ عرضًا، ربّما أكثر هيبةً، بوجهٍ صافٍ وعينٍ ملوّنةٍ لامعة ؟! 

لا يعني هذا لي إلا أن أفقدَ روحيَ التي تطلّ من صورتي المواجهةِ لي شيئًا فشيئًا، وتتزاحم بدلًا منها صورٌ لآخرين تمنّيتُ ما حظوا به، وفي النّهاية تبدو الصورةُ مشوّشةً أو مشوّهة، لا أميّز لها روحًا ولا أرى لها بريقًا .

وللأسف نعزي هذا لأطماعٍ بشريّةٍ بداخل كلٍ منّا، لكننا لا نواجه نفسنا بحقيقةِ عدم تقبّلنا لأنفسنا كما نحنُ إلا عند اختباراتِ العرض، والتي نودّ فيها أن نسرق الأنظار كلّ مرّة .

وعند اختبارِ عرضٍ مع غريبٍ لأوّل مرّةٍ وقفتُ متوترًا، مخطوف الوجه من شدّة القلق، ألقي على من حولي سؤالًا ساذجًا : هل مظهري جيّد ؟ هل أبدو جميلًا ؟ هل أنا متأنقٌ كفاية ؟ والمزيد المزيد، سخافةُ المشهد تذكّرني بالمرأة الشريرةِ في فيلم الأميرة صاحبة الاقزام، والتي تقفُ في هوسٍ أمام مرآتها تسألها : مرآتي هل هناك من هو أجمل منّي ؟! ضحكتُ ثمّ ذهبت أمام المرآة للمرّةِ الثالثة أقيّم المظهر في امتعاضٍ كما في المرّات السّابقة، تمنّيتُ لو أنني أشبه بطل الفيلم الوسيم هذا، أو لاعب المصارعة بجسده الضخم، أو الأجنبي جارنا صاحب العيون الزّرقاء، ثم نفضتُ رأسي متعجّلًا لألحق اللقاء، لاقاني صديقٌ ما في الطّريق فاستنكر تأنقي الزائد، انتظرتُ منه المدحَ لكنّه أبدى تفورًا بتكلّفي قائلًا : الجمالُ يا صديقي لا يمُرّ إلى أجسادنا إلا عبر أرواحنا، وأولُ ما تتحمل به أرواحنا هو الرّضا عن الذّات .

سكتتُ متأثّرًا ثمّ عدتُ للبيت أنظر في المرآة لحقيقتي أول مرّة، ليست ما أقابله الآن هي صورتي، بل هي الحقيقةُ التي تظلّلها غيامات الروح بعيدًا عن تفاهات الجسد، بعثرتُ شعري قليلًا، وأرخيتُ رابطة عنقي، ثمّ وجدتني أبدو جميلًا فعلًا، بلا تكلّفٍ أو إضافاتٍ فارغة، حينها بزغت روحي مُشعّة ترقبني من هناك، تومئُ برأسها في رضا، وتبتسمُ لي في فخر، هذا هو أنا، جميلٌ كما لم ألحظ من قبل، مع قصر قامتي، ووجهي الذي زارته البثور، وأسناني المصطفةَ في عدم نظام، جميلٌ لأنّ عينيّ تبرق بالثّقة، وروحي تقتاتُ الرّضا، وقناعتي تزدادُ رسوخًا بأنّ اللوحةَ الطبيعيةَ أجمل من المصطنعة، دائمًا .

..

عائش