(تل أبيب=تل الربيع) .. الحقيقةُ المُغيّبة!

-مقال: آلاء حسن


إنّ كلّ حرٍّ في هذا العالمِ يعرف جيداً أنّ فلسطين هي دولةٌ عربيةٌ تقع تحت احتلالٍ غاشم، سرق الأرض بالقتل والتهديد، بالمجازر المروّعةِ التي كانت قانا ودير ياسين إحداها، وسرق حتى التراث ونسبه إليه زوراً وبهتانا، وكأنّ التاريخ سيُخفي الحقائق!

ومنذ أن بدأت هجرة بعض اليهود إلى فلسطين في نهايات الحكم العثماني عليها، بداية المائة التاسعة بعد الألف وعيون الحركة الصهيونية تترقبُ موعدَ الانقضاض، حتى سقط الحكم العثمانيّ ووقعت فلسطين تحت الانتداب البريطانيّ الذي مهّد الطرق للصهاينة لتحقيق الحلم بدولة يهوديّة على أرض فلسطين التاريخية..

وحتى نكبة عام ١٩٤٨ كانت أعداد اليهود المهاجرة إلى فلسطين في ازدياد، لكنها بعد النكبة أصبحت أشدّ؛ لأنهم في نظرهم هم الآن قادمون إلى دولتهم الخاصة بهم!

وفي هذه المرحلة كانت هذه الدولة الاحتلالية الوليدة تُوزع المهام، تُنشئ حكومةً وبلديات، وكانت عمليات طمس الهوية الفلسطينية لا تتوقف أبداً، بدءً من تغيير أسماء المدن والقرى المحتلة إلى تغيير أسماء الشوارع وحتى المعالم التاريخيّة، فهذه عسقلان تحولت إلى أشكلون، والقدس إلى أورشليم، وأم الرشراش إلى إيلات، والقائمة تطول، لكنّ إحدى أهم وأبرز مدن الكيان الاحتلالي التي تُسمى بتل أبيب، يظنّ الكثيرون أنّها كانت قبل احتلالها تُسمى تلَّ الربيع؛ فهل هذه حقيقة!؟

إنّني أذكرُ جيداً يوم أطلقت المقاومة الفلسطينيّة أول صاروخ على "تلّ أبيب"، أني وقفتُ أمام الخارطةِ أبحث عنها باسمها الذي كنتُ أظنه عربياً "تل الربيع" فلم أجده، ظننتُهم نسوها، لكني عرفتُ لاحقاً أنّ "تلّ الربيع" ليس الاسم الحقيقي لها أبداً، بل هي ترجمةٌ حرفيّة للتسميّة الصهيونية "تل أبيب-أو أفيف" وليس العكس؛ أعني أن "تل أبيب" ليست الترجمة العبرية الحرفية ل"تل الربيع"! 

إذاً ما القصة؟ وما هي الأرض التي أقيمت عليها هذه المغتصبة؟

إنّ حجم التعجب والاستغراب لدى من يعتقد أنّ "تلَّ أبيب" هي في الأصل كانت تسمى "تل الربيع" سيكون كبيراً حين يعرف أنّه لا شيء في تاريخ فلسطين الأصيل يُسمى تل الربيع، وأنّ تل أبيب حالياً هو اسم المغتصبة التي أُقيمت على أنقاض مدينة يافا وضواحيها!

وحين بحثتُ في قصة التسمية؛ وجدتُ عبارات خطيرةٍ جداً نشرها الموقع الالكتروني الخاص بعرب٤٨ -أي الفلسطينيون الذين بقوا في أراضيهم بعد النكبة وأصبحوا أقلية بسبب التهجير القسريّ للفلسطينيين آنذاك- ، فيه:

("تل أبيب" هو اسم الحي الذي كان يسكنه مواطنو يافا من اليهود، والذي أُسس بين عامي 1909 – 1910، في ظل الحكم العثماني لفلسطين. ومنذ عام 1948، تضخم هذا الحي تدريجيًّا، ليتحول إلى مدينة "تل أبيب" التي التهمت يافا وحولتها إلى حيٍّ هامشيٍّ في قلب "تل أبيب".) 

 هذا الكلام يبدو كافياً؛ فأهل البلد شهودٌ فيها وهم أدرى بشعابها، لكن من الجيد جداً أن أنقلَ هذه الجملة لِ د. غازي حسين- ، يقول* : (وكانت مستعمرة تل أبيب في بادئ الأمر مجرد ضاحية لمدينة يافا.)

وأذكر أيضاً هذا الكلام الدقيق لمستكشف إنجليزيّ اسمُه جون ديفيز -مُترجَماً- يقول* : (غداة قيام الدولة -يقصد الدولة الصهيونية- ، أُثير موضوع أسماء المعالم عندما تقرر أن يُعهد إلى بلدية تل أبيب بالمسؤولية البلدية عن مدينة يافا. آنذاك جرى نقاش بشأن الاسم الذي يطلَق عليهما ، فاقترح البعض اسم يافو، وزعموا أن هذا هو الاسم التوراتي، وكان بن غوريون بينهم. واقترح آخرون اسم تل أبيب بصفته الاسم الصهيوني. وبعد نقاش عكس الارتباك، انتصر الصهيونيون في النهاية وصار الاسم تل أبيب ـ يافا).


وقد أصبحت "تل أبيب" من أكبر مدن الكيان وأهمها اقتصادياً وسياحياً، وهي تُعتبر العاصمة للكيان الصهيوني-عند الحكومات التي تعترف به-، إلا أن الاحتلال وشركاءه الداعمين والمساندين المعروفين كأمريكا مثلاً يعتبرون القدس هي العاصمة، لكنّ الأمرَ محسوم والنهاية معروفة، فكما هو الحال مع كل احتلال سبق؛ أنّ مصيره الزوال، فسيكون هذا الاحتلال بإذن الله إلى زوال، وستصبح قصة تل أبيب وأشكلون وأورشليم وغيرها شيئاً من الماضي.


_


*كتاب الاستيطان اليهوديّ في فلسطين-د. غازي حسين-ص٢٠ 
*تهويد الأرض وأسماء المعالم الفلسطينية-إبراهيم عبد الكريم-ص٧٦،