من يقرأ عن هذا الخليفة الصحابي العظيم,يري في سيرته العجب العجاب من زهده وورعه,وحلمه,و قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان معاوية من أحلم الناس. وقال أيضاً: وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة,وقال عنه الإمام أحمد فيما رواه عن علي بن أبي حملة عن أبيه قال: رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه ثوب مرقوع.[1] عن يونس بن ميسر الحميري الزاهد ـ وهو من شيوخ الأوزاعي ـ قال: «رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مُرْدِفٌ وراءَه وصيفًا، وعليه قميص مرقوع الجَيْب يسير في أسواق دمشق.[2] قال ابن عمر عن حلم معاوية:(معاوية من أحلم الناس قالوا يا أبا عبد الرحمن وأبو بكر قال أبو بكر خير من معاوية ومعاوية من أحلم الناس).[3] قال قبيصة بن جابر :(صحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه).[4]

قال عنه الذهبي : (وحَسْبُك بمن يؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويُرضي الناس بسخائه وحلمه، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفَرْط حلمه وسعة نفسه، وقوه دهائه ورأيه).

وسُئِل عنه عبد الله بن المبارك ذات مرة أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله أفضل من عمر بألف مرة.

وكانت صلاته أشبه بصلاة رسول الله _صلي الله عليه وسلم_، فرُوي عن أبي الدرداء أنه قال: "ما رأيت أشبه صلاة برسول الله من أميركم هذا"؛ يعني معاوية.

وقد ثبت في الصحيح أنه كان فقيهًا يعتد الصحابة بفقهه واجتهاده؛ فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي مليكة قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس؛ فأتى ابن عباس فأخبره، فقال: دعه؛ فإنه قد صحب رسول الله r. وفي رواية أخرى قيل لابن عباس: "هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة. قال: أصاب، إنه فقيه".

كيف لا تكون هذه سيرته ورسول الله صلي الله عليه وسلم,الذي لا ينطق عن الهوي,فد أمنه علي أخطر مهمة علي وجه الأرض,الا وهي,كتابة كلام الله عزوجل,لذلك نفهم لماذا الطعن علي معاوية؟فإذا كان معاوية بن أبي سفيان الذي كتب الوحي ,رجلاً منحرفاً,يصبح القرأن الذي بين أيدينا غير موثوق به,لأن من كتبه رجل سيرته غير سليمة,وأي انسان عاقل قبل أن يقرأ كتاب _أي كتاب من عمل البشر_يبحث عن سيرته مؤلفه,وميوله,وأفكاره,حتي يعلم إذا كان ثقة أم لا,وهل يأخذ بكلامه أم يرد.فما بالك بكلام رب العالمين.الا يختار رسول الله صلي الله عليه وسلم لكتابته أشرف الناس وأعدلهم سيرة.

أهم أعمال معاوية

في عهد رسول الله_صلي الله عليه وسلم_

1.كاتباً للوحي.

2. نال معاوية شرف الصحبة وشرف الجهاد تحت لواء الرسول_ صلى الله عليه وسلم_؛فقد حضر معه حنين والطائف, وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية.

في عهد أبو بكر الصديق_ رضي الله عنه_

في عهد أبي بكر الصديق_ رضي الله عنه_ سير الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه أربعة جيوش إلى الشام بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وكان كل جيش منها كان يضم سبعة آلاف مقاتل تقريبًا، واجتمع إلى أبي بكر بعدها أناس؛ فوجههم إلى الشام وأمَّر عليهم معاوية رضي الله عنه، وأَمَرَه باللحاق بأخيه يزيد، فخرج معاوية حتى لحق به، وكانت هذه أول مهمة قيادية يتولاها معاوية في الفتوح وشهد معاوية اليرموك وفتح دمشق تحت راية أخيه يزيد.

في عهد عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_

1.كان معاوية بن ابي سفيان أمير الحملة التي أرسلها أخيه يزيد ابن أبي سفيان[5],إلي سواحل الشام,وقام بفتحها.

2.في عام 15ه,أمره الخليفة عمر بن الخطاب علي قيسارية,وكتب إليه:( أمَّا بعد فقد وَلَّيتُك قيسارية؛ فسِرْ إليها واستنصِرِ اللهَ عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ ربُّنا وثقتُنا ورجاؤُنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير),وكان معاوية في محل ثقة عمر بن الخطاب؛ فاجتهد معاوية في القتال حتى فتح الله عليه, فبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.[6]

3.ولاه عمر بن الخطاب علي الشام,بعد وفاه أخيه يزيد .

في عهد عثمان بن عفان_رضي الله عنه_

1.أقره عثمان بن عفان علي ولاية الشام كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

2.قام معاوية بن أبي سفيان بغزو جزيرة قبرص في عهد الخليفة عثمان بن عفان_رضي الله عنه_, فكان معاوية رضي الله عنه أول من ركب البحر كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الذي روته أم حرام بنت ملحان, فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه من طريق أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان قالت: نام النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ يبتسم، فقلت: ما أضحك؟ قال: أناس من أمتي عرضوا علي يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها فقالت قولها، فأجابها مثلها، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية رضي الله عنه، فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين فنزلوا الشام، فَقُرِّبَت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت.[7]

جهاد معاوية في خلافته

1.بلغ عدد الأساطيل في البحر في عهد معاوية ألف وسبعمائة ,كاملة العدد والعدة.[8] ومن أجل بناء أسطول إسلامي بحري قوي، فقد أقام معاوية رضي الله عنه دارًا لصناعة السفن البحرية في جزيرة الروضة بمصر عام 54 هـ.

2.رتب معاوية لغزو الروم في البر نظام الشواتي والصوائف.[9]

3.كانت أولي محاولات فتح القسطنطينية في عهد معاوية بن سفيان ,لكن لم يستطيعوا فتح القسطنطينية,وفي عام 53ه,أعيدت محاولة فتح القسطنطينية,واستمر الحصار خمس سنوات,لكنها أيضاً لم تفلح.[10]

توفّي في دمشق عن 78 سنة بعدما عهد بالأمر إلى ابنه يزيد بن معاوية ودفن في دمشق وكانت وفاته في رجب سنة 60 هـ كان خلالها والياً لـ 20 عامًا وخليفة لـ 20 عامًا أخرى.

ويصور لنا ابن سيرين اللحظات الأخيرة في حياة معاوية رضي الله عنه قائلاً:"جعل معاوية لما احتضر يضع خدًا على الأرض ثم يقلب وجهه، ويضع الخد الآخر يبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك {إن الله لا يغفر أن يُشرَكَ به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: الآية 48]

اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له، ثم تمثَّل بهذا البيت:

هو الموت لا منجى من الموت والذي نحاذر بعد الموت أدهى وأقطع

ثم قال: اللهم أَقِلِ العثرة، واعفُ عن الزَّلَّة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرجُ غيرك، فإنك واسع المغفرة ليس لذي خطيئة مهرب إلا إليك.

ثم أُغمِيَ عليه، ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يِقِي من لا يتقي، ثم مات رضي الله عنه بدمشق في رجب سنة 60 هـ.[11]

فرحم الله معاوية,وجميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين



[1] الإمام أحمد :كتاب الزهد، ، طبعة مكة، ص172

[2] ابن عساكر :تاريخ دمشق، ، ج59،ص171، ابن كثير: البداية والنهاية، ، ج8، ص143.

[3] ابن عساكر :تاريخ دمشق، ، ج59،ص177

[4] ابن عساكر :تاريخ دمشق, ج19 ص 183, الذهبي: تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، ج2 ص540, سير أعلام النبلاء ، ج3 ص153.

[5] يزيد بن أبي سفيان : صحابي جليل من فضلاء الصحابة, أخو معاوية من أبيه ,أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه واستعمله النبي محمد على صدقات بني فراس من قبيلة كنانة وكانوا أخواله. كما كان يزيد أحد الأمراء الأربعة الذين أختارهم أبو بكر الصديق لغزو الروم, وقال إبراهيم بن سعد: كان يزيد بن أبي سفيان على ربع، وأبو عبيدة على ربع، وعمرو بن العاص على ربع، وشرحبيل بن حسنة على ربع، يعني يوم اليرموك. ولم يكن يومئذ عليهم أمير، وأمَّره أبو بكر الصديق لما قفل من الحج سنة اثنتي عشرة أحد أمراء الأجناد، وأمَّره عمر على فلسطين، ثم على دمشق لما مات معاذ بن جبل، وكان استخلفه فأقره عمر. الطبقات الكبير، ابن سعد. أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني.

[6] ابن كثير: البداية والنهاية، ج7، ص58 ـ 59

[7] البخاري مع الفتح (6/22).

[8] راغب السرجاني:موسوعة التاريخ الإسلامي,ص177.

[9] الشواتي:جمع شاتية,وهي الجيش الذي يغزو في الشتاء,الصوائف,جمع صائفة,وهي الجيش الذي يغزو في الصيف. وقد كانت الغارات على بلاد الروم في عهد معاوية رضي الله عنه لا تنقطع صيفًا أو شتاءً،اما عن الغرض من هذه الغارات فكان استنزاف قوة العدو، وكان من أشهر القواد المجاهدين في بلاد الروم (عبد الرحمن بن خالد بن الوليد)، و(بُسْر بن أرطأة ),والذي تقدم على رأس شاتية عام 43هـ حيث اقترب من القسطنطينية، و(مالك بن هبيرة)، و(أبو عبد الرحمن القيني) و(عبد الله بن قيس الفزاري)، و_فضالة بن عبيد الأنصاري)، وغيرهم كثير. راغب السرجاني:موسوعة التاريخ الإسلامي,ص177.

[10] راغب السرجاني:موسوعة التاريخ الإسلامي,ص178.

[11] ابن كثير: البداية والنهاية، ج8، 164.