حدثني من عرفته جيداً فقال :

مدلجٌ في ليلٍ تختطفني الأفكار، وتقفز الذكريات على اغصان قلبي كعصفورين عادا بلهفةٍ وشوقٍ الى احضان شجرة مَرْجَحت دحوهم بلطفٍ يوما ما ، ليلٍ ليس كغيره ، هادئ .. موغل في السكينة ، يُرغم السكون ذاكرتك العودة الى ما وراء العقل والشعور وربما المنطق .

وقمرٌ يتربع في كبد السماء اضاء وجهه ، فتلاشت وجوه النجوم بحسرة ، وارسل نوره المسروق من جدائل الشمس على ذُرَى الجبال والسهول ، ذلك القمر استباح كل شيء ..حتى نفسي .

وَقَفْتُ على كثيب رملٍ بعد ان حَجَبَت نوره ديمة مطر بردائها، يتيمة ، تَجُرُّ ثوبها بلطف وتسترق النظر، فَجَلسْتَ ارقب تلك الديمة التي ما تَوانتْ فأهدت الارض هتًّاناً خفيفاً ، استقبلته ذرات الرمل بعناق ، كوالدة تستقبل ابنها الوحيد العائد من سفر ،حيث ايقَضَ بعودته بذرة الذكرى التي تَفَتَّقت بعد طول عهد من التراب ، فَحَنت عليه الام حنو وردة ذابلة على عشب نَضِر.

الوقت منتصف الليل ،حيث القى الصبح بذرته الاولى في رحم الليل ، ومعها انثنت علىّ اغصان الذكرى والقت بي في غياهب الماضي وسن الطفولة ،بعيدا هناك ..طفولة مليئة بالمشاعر والشجن ، بين أُمَّيْن يحنوان علي حنو الحمام على صغارها .. 

فبادرته بسؤال المحتار ..كيف أُمّين ؟!

قال :نعم أُمّين ، حين منحت امي التي انجبتني فلذة كبدها "لضرتها " العقيم ، لتمنحها حق الامومة بل وحق النسب اليها في الاوراق الثبوتية ! قال مبتسما : اي ام تلك ؟! لا ارى شبيها لها الا الملائكة..

واردف قائلاً : فتلقفتني الام بحنان وتَفتَّح بقلبها محبتي ، كما يتَفتَّح الشذا في اعماق الورد ، واحتضنتني كما تَحتضن الارض ماء السماء، فامتزجنا معاً .. بحنان .. وحب .. وعذوبة .

اضحت أمي في قرارة نفسي بحق ، وبفطرة الطفل احببتها اما ؛ والطفل لا يعرف التصنع وجمع الاضداد ، وتمر الايام السعيدة بسرعة كعادتها ،حتى بلغت السادسة من العمر ، فجاء المرض زائراً مشؤوما ،واخرج من كِنانته سهماً ورماه فاستقر في قلب امي واصابني بمقتل .

نُقلت الى المشفى لكن جواب الاطباء كان سريعا : (الزموها بيتها) ..

 رأيتها آخر مرة على فراش الموت بعد رجوعها من المشفى ، احتضنتها بشوق الطفل لأمه ، واحتضنتني بلهفة الام المودعة ..قبلتني بجنون وشغف ، فانسكبت دموعها على وجنتي كقطرات الندى على اوراق الورد .. بين جهل وعقل .. تاهت المشاعر ..وتلعثمت الكلمات ..وعم الصمت المكان والقلوب ..

نَظَرَت الى الام الاولى وقالت بعيون دامعة : (اوصيكِ على ابني )..

قطع مشهد الحيرة الذي اجتاحني حينها .. يد تمسك بيدي وتقودني بعيدا ، واسْتَرقتُ نظرة على عجل .. فَلوَّحتْ لي بيدها مبتسمة ومفارقة ..لا زالت تلك الصورة ماثلة في عيني ، نُقشت بقسوة على جدار قلبي بمخلب الذكرى ..

هكذا نحن ابناء البادية ، لا يَحوي قاموسنا معنى للموت ، نعتقد ان كل يدٍ ملوحةٍ سوف تعود ..

عُدت الى احضان امي الاولى ، لكن امي لم ينطفئ نور سراجها من قلبي ، ولم يملأ احد فراغها في قلبي ..كلما تذكرت يدها الملوحة نَكَأتْ جرح لم يندمل ، فتحتضنني في احلامي بحنان كالضباب اللطيف حين يلامس وجه البحيرة ..

قلبي الأن معلق بأمين ..وقد انقسم نصفين ؛ نصف في الارض والاخر معلق في السماء..

نَظرتُ بقلبي مليا الى اعماقه ،والى ما اخفى عن اعين البشر، وتيقنت ان الانسان ذو وجهين تماما كالقمر، جانب ظاهر للناس قد تَلوّن  - رغما عنه – حسب اعراف المجتمع واهوائه ، وجوهره يكمن بمقدار ما يخفي من جمال في جانبه الاخر الذي لا نراه ..

اعادَ روحي معه الى كثيب الرمل ، وقد انسابت رائحة الارض المبتلة الى اعماقنا بلطف، فَلمَّتْ ديمة المطر وشاحها وتوارت في سراب الليل ..

 وبقينا تحت ضوء القمر ..

* هامش :

(لم يدرِ الانسان اينَ يواري جثمان الذاكرة ، فاخترع القصائد والقصص والروايات لتكون مقبرة الكلمات.. ثم وقع في كمينها ) احلام مستغانمي