هذا مبحث مهم جدًا لمن يمتهن الكتابة خاصة أنه سؤال مطروح عند دارسي الأدب وممارسيه، أو يتعرضون له من معارضيهم، وربما عزف البعض عن الكتابة بسبب فتوى من هنا وهناك، فكان من الأهمية بمكان أن أَخُصَّه بالحديث.
وكذلك هو أهم للمشتغلين بالدعوة والوعاظ ومن يتطوع بالإنكار على من يكتب في هذا المجال دون إحاطة بحكمه محررًا، وهذا البحث أستله من كتابي (كيف تكتب رواية أو قصة قصيرة) ورغم أنه ليس مما يعنى به في النقد الأدبي وليس هذا مجاله، لكني أثرت أن أقدِّمه بين يديْ كتابي هذا ليستبان الطريق قبل الشروع في السير ولا يرتاب السالكون بعد.

ولقصر حجم المقال وحتى لا يمل القارئ سيقسم البحث على عدة مقالات متسلسلة تبدأ من السطر القادم.

***

دعوني أقرر قاعدة اتَّفق عليها علماء الأصول[1]، هي: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأتِ نص بالتحريم.

وليس لدينا نص من القرآن الكريم أو السنة المطهرة يُحرِّم تأليف القصص أو يمنعه، ولعل أشد ما يتمسك به المانعون[2]: ظنهم أن ذلك من قبيل الكذب، فما يُكتب من أشخاص وأعمال وأقوال هو غير حقيقي، وعليه فكل النصوص الدالة على تحريم الكذب هي أدلة لهم في تحريمهم.

ومع الاحترام الكامل لاجتهادهم وإثبات الأجر لهم، فإن هذا القول جانَب الصواب، وقياسهم غير صحيح.

فالقصص والروايات الأدبية، تُعرَض على سبيل الافتراض أو التخيُّل أو إعادة التاريخ، لا على سبيل أنه أمر واقع، والقُرَّاء جميعًا بمجرد وقوع بصرهم على كلمة «رواية» أو «مجموعة قصصية» يعلمون ذلك، فهي أشبه بالعَقد الضِّمني بين الكاتب والقارئ، فهم جميعًا يدركون أن أحداثها مخترعة، وشخصياتها مبتكرة، وأن الغرض منها الخيال الذي يُثمر تربية أو سلوكًا أو تعليمًا أو تسلية أو غير ذلك. فأي محظورات الكذب في ذلك؟!

والكذب إنما يكون فيما إذا كان المخاطَب جاهلًا بالمكذوب، أو كان عالـمًا، غير أن المتكلم يكذب وهو لا يدري بعلم المخاطب بذلك، أما القص فهو عمل متفق عليه بين الطرفين، لا يتصور فيه حصول حقيقة الكذب الذي حرمه الشرع.

يتضح ذلك إذا افترضنا أن كل قصة يبتدئها كاتبها بالعبارة الآتية: «تخيل معي أن...» ثم يبدأ بسرد الأحداث بعدها، فستكون القصة حينئذ استكمالًا للطلب الذي ابتدأتْ به، والتخيل والافتراض لا يخضعان للتصديق أو التكذيب، بل للامتثال أو عدمه.

وقد أجاز بعض العلماء حكاية الأعاجيب والغرائب؛ استنادًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»[3]، ومعلوم ما في حكاياتهم وأساطيرهم من خيالات وأمور عجيبة، وجاء في رواية: «فَإِنَّهُ كَانَتْ فِيهِمْ أَعَاجِيبُ»[4].

قال ابن حجر الهيتمي: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ حِلُّ سَمَاعِ الْأَعَاجِيبِ وَالْغَرَائِبِ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَتَيَقَّنُ كَذِبُهُ بِقَصْدِ الْفُرْجَةِ، بَلْ وَمَا يَتَيَقَّنُ كَذِبُهُ لَكِنْ قَصَدَ بِهِ ضَرْبَ الْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ وَتَعْلِيمَ نَحْوِ الشَّجَاعَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ آدَمِيِّينَ أَوْ حَيَوَانَاتٍ[5].

والقص الأدبي في حقيقته نوعٌ من ضرب المثَل[6]، وهو في كثير من الأحيان لم يقع، لكن لما كان هذا المثل المضروب يعرف السامعون أنه ليس بالضرورة وقع.. صُرف عن الكذب إلى معنًى سامٍ هو تقريب المعنى إلى السامع.

وهذا كثير في القرآن والسنة، مثل قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29].

فهذا تمثيل للعبد الموحِّد والعبد المشرك بخادم يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضًا فيه، وهو بينهم موزَّع ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يُرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزِّق اتجاهاته وقواه!

أما الآخر يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، مستريح مستقر على منهج واحد صريح.

فهذا مَثَلٌ لم يحدث، ومِثلُه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»[7].

فهذه قصة كاملة الأركان الظاهر منها أنها غير حقيقة لكن قصها النبي لتقريب صفة من صفات الله، وهو باب خَطِر في العقيدة.

قال ابن حجر: وَفِيهِ [أي الحديث] ضَرْبُ الْمَثَلِ بِمَا يَصِلُ إِلَى الْأَفْهَامِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ[8].

وقد علق الإمام الطاهر ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ..﴾ (سورة ص 21-25)، فقال:

« وَلَيْسَ فِي قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ: هَذَا أَخِي وَلَا فِي فَرْضِهِمَا الْخُصُومَةَ -الَّتِي هِيَ غَيْرُ وَاقِعَةٍ- ارْتِكَابُ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُخَالِفَةِ لِلْوَاقِعِ الَّتِي لَا يُرِيدُ الْمُخْبِرُ بِهَا أَنْ يَظُنَّ الْمُخْبَرُ (بِالْفَتْحِ) وُقُوعَهَا إِلَّا رَيْثَمَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنَ الْعِبْرَةِ بِهَا ثُمَّ يَنْكَشِفُ لَهُ بَاطِنُهَا فَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ. وَمَا يَجْرِي فِي خِلَالِهَا مِنَ الْأَوْصَافِ وَالنِّسَبِ غَيْرِ الْوَاقِعَةِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ وَعَلَى نِيَّةِ الْمُشَابَهَةِ.

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى جَوَازِ وَضْعِ الْقَصَصِ التَّمْثِيلِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا التَّرْبِيَةُ وَالْمَوْعِظَةُ وَلَا يَتَحَمَّلُ وَاضِعُهَا جُرْحَةَ الْكَذِبِ...»[9].

بل لعلني أفاجئ القارئ إن قلت له إن قصة «صاحب الجنتين» المشهورة والواردة في سورة الكهف، بعض أهل العلم قال: إنها ليست حقيقة واقعة، بل مثل مضروب! وسنوضح ذلك في المقال القادم.. فتابعونا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (21/535) .

[2] انظر: فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية (12/187)، وفتوى الشيخ ابن باز في نور على الدرب، بموقع الشيخ: https://binbaz.org.sa وفتوى الشيخ صالح بن محمد اللحيدان على شبكة الإنترنت.

http://www.islamup.com/view.php?file=c44223d580

[3] رواه البخاري (3461)، من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص، والإمام أحمد (11536) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، و(10130) عن أبي هريرة.

[4] مصنف ابن أبي شيبة (26486)، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة». (2926).

[5] تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي (9/ 398) المكتبة التجارية الكبرى 1357 هـ - 1983 م.

[6] وبهذا قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، ورأى بجواز تأليف القصص، انظر: فتاوى نور على الدرب (9/412) فتوى رقم (4949)، طبع مؤسسة الشيخ العثيمين الخيرية بالسعودية 1434هـ.

[7] صحيح مسلم (2747).

[8] فتح الباري لابن حجر (11/ 108) دار المعرفة - بيروت، 1379هـ.

[9] التحرير والتنوير (23/ 238)، الطهار ابن عاشور، الناشر: الدار التونسية للنشر – تونس، 1984 هـ.