ذكرنا في المقال السابق بعض نماذج من ضرب المثل القصصي في القرآن، التي تدعم فكرة الافتراض في القصص الأدبي وتنفي عنه الكذب.

وقلنا إن قصة «صاحب الجنتين» المشهورة والواردة في سورة الكهف، بعض أهل العلم قال: إنها ليست حقيقة واقعة، بل مثل مضروب؛ وسبب ذلك أن الله قال في مفتتحها: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ...}[الكهف: 32].

قال الإمام الماوردي: وفي ضرب المثل في هاتين الجنتين قولان: ... والقول الثاني: أنه مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حَالٍ مُتَقَدِّمَةٍ، ليَزهَد في الدنيا ويَرغَب في الآخرة، وجعله زجرًا وإنذارًا[1].

والمتأمل في قصة صاحب الجنتين سيجد قصة من إحدى عشرة آية كاملة البناء على مقاييس الأدب الحديث، لها بداية ونهاية ومكان وأشخاص وأحداث وصراع ووصف وسرد وحوار!

فإن صح الرأي بأنها غير حقيقية -كما سبق- فهو أقوى ما يستشهد به على جواز كتابة الروايات والقصص الأدبية[2]، وأنها خارجة عن الكذب داخلة في ضرب المثل. ولن أخوض كثيرًا في فنيات القصة وسأكتفي بإيراد الآيات ليتذوقها القارئ مجددًا:

{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}[الكهف: 32 - 42].

وقد كان الشعراء بين يَدَيِ النبي صلى الله عليه وسلم يفتتحون شعرهم بمقدمات خيالية، كما فعل كعب بن زهير في قصيدة بانت سعاد[3]، ولم يُنكر ذلك لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة مع أن هذه المقدمات تحكي أمورًا افتراضية عن الفراق والهَجر والبَين، وقد لا تكون هذه حصلت للشاعر أصلًا. 

ولا يزال الأدباء يصنعون ذلك كالهمَذاني (ت 398هـ) في مقاماته يفترض شخصية وهمية (عيسى بن هشام) وحكايات مصطنعة مبتكرة متنوعة في أغراضها ومقاصدها يعالج بها قضية معينة، ولم نسمع عن أحد من أهل العلم إنكارها ولا بيان كذبها والتحذير منها، بل ما تزال هذه المقامات تُقرأ في مجالس الأدب ، ويُستأنس بما فيها من بديع اللفظ والمعنى، ويَنسج على منوالها الأدباء والكتاب في القديم والحديث.

ولقد كان الحريري (ت 516هـ) حَصيفًا متفهِّمًا لهذه القضية، فقال في مقدمة «مقاماته»: 

«ثمَّ إذا كانَتِ الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وبها انْعِقادُ العُقودِ الدِّينِيَّاتِ، فأيُّ حرَجٍ على مَنْ أنْشأ مُلَحًا للتَّنْبيهِ، لا للتَّمويهِ، ونَحا به منحَى التَّهْذيبِ، لا الأكاذيبِ؟ وهلْ هُوَ في ذلِك إلا بمنزِلَةِ مَنِ انتَدَبَ لتعْليمٍ، أو هدَى إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ؟»[4].

وكذلك ما ذكره ابن المقفع على ألسنة الحيوانات في «كليلة ودمنة»[5]، مع تقادُم عهده في صدر الإسلام[6] ورغم أنه اتُّهم بالزندقة[7] إلا أن أحدًا لم ينكر عليه شيئًا مما جاء في الكتاب، بل لقي قبولًا واسعًا من العلماء وكانوا ينقلون عنه من قصصه ويستأنسون بحكاياته التي سار فيها الكلام على لسان الحيوان في كُتبهم[8].

بل إن علماء الشريعة مارسوا مثل ذلك في كتبهم، وورد عن بعض الصحابة والتابعين، وسنوضح ذلك في المقال القادم.. فتابعونا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتــــــ

[1] أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، تفسير النكت والعيون (3/305-306) دار الكتب العلمية - بيروت.

وانظر: تفسير الماتريدي «تأويلات أهل السنة» (7/170) دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1426 هـ - 2005 م

وتفسير ابن عطية «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» (3/ 515) دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى - 1422 هـ.

[2] وأنا أميل إلى هذا الرأي لابتداء القصة بـ «واضرب لهم مثلًا»، ثم التعقيب بضرب مثل آخر مفترض غير حقيقي في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45].

[3] خبر إسلام كعب وإنشاده القصيدة رَواه الطَّبَرَانِيُّ في الكبير، بسندٍ موقوف على ابن إسحاق، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وَرِجَالُهُ إِلَى ابْنِ إِسْحَاقَ ثِقَاتٌ. اهـ. وابن إسحاق صاحب السيرة، قال فيه ابن حجر: صدوق يدلس. قلت: وقد صرح بالتحديث فزال عنه التدليس، كما روي بإسنادٍ موصول عن الحافظ ابن دِيزِيل، وابن أبي عاصم والحاكم والبيهقي، وإسناد ابن دِيزِيل أعلى تلك الأسانيد، قال ابن حجر: (وقعت لنا – أي القصيدة – بعلو في إسناد ابن دِيزِيل في جزئه).

وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأشار إلى صحته ابن عبد البر وعلي بن المديني، فقال: (لم أسمع في خبر كعب بن زهير حديثًا قط أتم ولا أحسن من هذا ولا أبالي ألا أسمع من خبره غيره).

وانظر غير مأمور رسالة الدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان، بعنوان: توثيق قصيدة بانت سعاد في المتن والإسناد.

[4] مقامات الحريري (ص: 17) مطبعة المعارف، بيروت 1873 م.

[5] المشهور أن ابن المقفع ترجم «كليلة ودمنة» من الفارسية، وهي ترجمة لكتاب «الفصول الخمسة» المكتوب باللغة السنسكريتية (الهندية)؛ لكن كثيرًا من المحققين ذهبوا إلى أنه من تأليفه وليس مترجمًا، فمن المستشرقين أمثال «ده ساسي» و«شوفان»، و«بيكل»، و«فالكونر»، و«هرتل»، و«نولدكه»، و«جويدي»، و«بروكلمان»، و«رايت»، كذا قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام)، وأثبت الدكتور محمد رجب النجار بالمراجع المختلفة أنها تأليف وليست ترجمة. انظر: «كتاب كليلة ودمنة تأليفًا وليس ترجمة» د. محمد رجب النجار، ط الهيئة العامة لقصور الثقافة. و«ضحى الإسلام» 1/232  طبعة الهيئة العامة للكتاب.

[6] فقد ولد في سنة 106هـ ومات سنة 142 هـ، انظر: عبد الله بن المقفع (الآثار الكاملة) ص 10، شركة الأرقم للطباعة والنشر، بيروت 1997م. 

[7] قال الدكتور عبد العزيز السدحان: قضية اتهامه بالزندقة بعضهم يشكك فيها، ويعزو ذلك إلى أنها تُهمة لفقتها عليه الخلافة العباسية لعلاقته الوثيقة بعبد الله بن علي عم المنصور الذي خرج على الخلافة. انظر: تحت المجهر ص 111. 

وهذا ما انتهى إليه أستاذنا الدكتور إبراهيم عوض في بحث قيم تحت عنوان « كلمة في عقيدة ابن المقفع» وهو منشور على الإنترنت، وقد فنَّد الشبه وأقام الحجج على صحة عقيدته. والحمد لله رب العالمين.

[8] وعلى سبيل المثال لا الحصر، الإمام الفخر الرازي في «التفسير الكبير» (2/ 411، ط. دار إحياء التراث العربي)، وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (4/ 293، ط. دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض)، وابن عبد البر في «بهجة المجالس» (ص: 117)، والقاضي أبو يعلى المعروف بابن الفراء في «رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة» (59، 70، 119 ط. دار الكتاب الجديد، بيروت)، وابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» (82، ط. المكتب الاسلامي، ومؤسسة الإشراق)، والماوردي في «أدب الدنيا والدين» (1/ 113، ط. دار مكتبة الحياة).

وفي «تقييد العلم» (1/ 140، ط. إحياء السنة النبوية، بيروت) قال الخطيب البغدادي: (حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْعُصْمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الدَّغْوَلِيَّ، يَقُولُ: لَا يُفَارِقُنِي أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ، فِي الْبَلَدِ وَفِي الْخُرُوجِ إِلَى ضِيَاعِي، كِتَابُ الْمُزَنِيِّ، وَكِتَابُ «الْعَيْنِ»، وَكِتَابُ «التَّارِيخِ لِلْبُخَارِيِّ»، وَكِتَابُ «كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ») اهـ. ونقله الذهبي كذلك في «سير أعلام النبلاء» (11/ 342، ط. دار الحديث، القاهرة.