لا نزال في حديثنا التأصيلي حول حكم الشريعة في كتابة القصص والروايات، ونستكمل اليوم ما أشرنا إليه في المقال السابق بأن بعض علماء الشريعة مارسوا مثل تلك الكتابة المتخيلة الافتراضية في كتبهم بل ورد عن بعض الصحابة مثل هذا الحكي وبعض التابعين كذلك، وسأوضح بعض ذلك:

فهذا ابن الجوزي يضرب مثلًا للصبر، فيقول:«إذا صُب في القنديل ماء ثم صب عليه زيت صعد الزيت فوق الماء، فيقول الماء: أنا ربيت شجرتك، فأين الأدب؟ لـِمَ ترتفع عليَّ؟

فيقول الزيت: أنت في رَضرَاض الأنهار تجري على طريق السلامة، وأنا صبرت على العصر وطحْن الرحا، وبالصبر يرتفع القدر.

فيقول الماء: ألا إني أنا الأصل!!

فيقول الزيت: استر عيبك، فإنك لو قارنت المصباح انطفأ»[1].

وهكذا يتخيل ويُخيَّل للقارئ هذه المحاورة البديعة بين الزيت والماء كي يدرك القارئ معنى الصبر وفائدته، وابن القيم أبدع – كذلك – في هذا الفن، فتخيل محاورة بديعة بين القلب والعين وتلاوُم كل منهما في أيهما سبب العشق، وتحكيم الكبد بينهما، وذلك في باب كامل من كتابه (روضة المحبين)[2].

بل أقوى من ذلك ورُود مثل هذا على ألسنة بعض الصحابة والتابعين، فقصة «الثور الأبيض والأسود والأحمر» المشهورة، مروية في الأصل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه[3]، وعقد ابن الجوزي بابًا كاملًا في كتابه الأذكياء «فِي ذكر مَا ضَربته الْعَرَب والحكماء مثلًا على أَلْسِنَة الْحَيَوَان البهيم مِمَّا يدل على الذكاء»[4] نقل فيه عن الكثير ومنهم الإمام الشعبي وهو من كبار التابعين.

ولا أريد أن أُطيل في تتبع مثل ذلك في التراث الإسلامي أكثر مما ذكرت فقد يطول بنا المقام ولا ننتهي، وخلاصة القول: هذا النوع من التأليف باقٍ على أصل الإباحة، وهو نوعٌ من ضرب المثل، وليس هو من الكذب في شيء.

ووجب التنبيه أن هذا الحكم في التأليف نفسه، لكن من حيث الموضوع ستجري عليه قاعدة الحُسن والقبح الواردة في الشِّعر، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشِّعْرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ، حَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِ الْكَلَامِ»[5].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً»[6].

فإذا اشتملت القصص والروايات على إسفاف ورذائل ومنكرات،

حُرِّمت لموضوعها لا لنفسها.

وهذا أيضًا لديَّ فيه تفصيل، فلا بد أن نفرق بين مضمون الرواية وما تدعو إليه، وبين التوصيف لحالة الأشخاص ومحاكاة الأحداث داخل الرواية.

فهناك روايات تدعو إلى الإلحاد، والسحر وإنكار الغيبيات، وانتقاص الرسل، والجنس والتخريب..... إلخ.

فهذه مخالفة للشرع في مضمونها.

وهناك روايات مضمونها ورسالتها سامية وفاضلة (حتى لو كانت للتسلية) إلا أن حالة بعض أشخاصها أو تكوين بعض أحداثها على منكرٍ أو كفر أو غير ذلك. فلا نستطيع أن نقول هذا مخالف للشرع.. بل كما قلتُ هو ضرب للمثل لمن هو في الحياة على مِثل ذلك.

ليس معنى ذلك أن يخلو العمل الأدبي من توصيف للرذيلة أو الشهوة والجنس، لكن ينبغي أن يخلو من الابتذال والإغواء والتبجح والدعوة المباشرة أو غير المباشرة إليه.

وعن ذلك يقول الكاتب والأديب توفيق الحكيم:

«إنني لا أتصور فنًّا لا يصور الرذيلة كما يصور الفضيلة، ولا يبرز الشر كما يبرز الخير.. فحرية التصوير مفروضة ومطلوبة، وإنَّ المشكلة عندي لا تكمُن في حرية التصوير، وإنما تكمن في الإحساس الأخير الذي يستقر في نفوس قراء الأدب».

ويقول: «إن نوع التأثير هو الذي يحدد الفن، فإذا طالعت أثرًا فنيًّا - قصيدة أو قصة أو صورة - وشعرت بعدئذ أنها حركت مشاعرك العُليا، أو تفكيرك السامي فأنت أمام فن رفيع، وإذا لم تحرك إلا المبتذل مِن مشاعرك والتافه من تفكيرك فأنت أمام فن رخيص»[7].

إن عبقرية الكاتب تتجلى في خوضه هذه التجربة دون أن يخدش الحياء أو يثير الشهوات ويبرز الرذيلة للرذيلة، يشير إشارة.. يرمِز رمزًا.. يوحي وحيًا.. يلهم إلهامًا... دونما تصريح مباشر.

لكن لا يجوز المغالاة والتوغل في توصيف الرذائل والمنكرات وإبرازها.

وبمثل ما سبق أفتى فضيلة الشيخ عطية صقر رحمه الله، فقال: «لا بأس بكتابة قَصَص خيالي أو شعر خيالي إذا كان يستهدف خيرًا، ويتفادى به شرًّا، وذلك كالقصص على لسان الحيوانات في كتاب «كليلة ودمنة». فالمقياس هو عدم تكذيب شيء ثابت، وبخاصة مقررات الدين، وعدم الوصول به إلى غرض سيئ أو ترتب نتيجة سيئة عليه، فالإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار»[8] اهـ.

وإلى هنا انتهى تفصيل الحكم في كتابة القصص والروايات وضوابط ذلك.. والله أعلى أوعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كتاب المدهش، لابن الجوزي، ص 176، دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الثانية، 1405هـ - 1985م.

[2] انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين، لابن القيم الجوزية ص 106 وما بعدها، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ/1983 م.

[3] فعن عُمَيْرِ بنِ زَوْذِيٍّ قال: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَطَعَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ، فَنَزَلَ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ أَثْوَارٍ ثَلَاثَةٍ: أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَمَعَهُمْ فِي أَجَمَةٍ أَسَدٌ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَتْلَ أَحَدِهِمْ مَنَعَهُ الْآخَرَانِ، فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَبْيَضَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ فَخَلِّيَا عَنْهُ حَتَّى آكُلَهُ. فَخَلَّيَا عَنْهُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا مَنَعَهُ الْآخَرُ، فَقَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ، وَإِنَّ لَوْنِي عَلَى لَوْنِكَ، فَلَوْ خَلَّيْتَ عَنْهُ أَكَلْتُهُ. فَخَلَّى عَنْهُ الْأَحْمَرُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنِّي آكِلُكَ. فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَصِيحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ. فَقَالَ: دُونَكَ. فَقَالَ: أَلَا إِنِّي إِنَّمَا أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الْأَبْيَضُ.ثَلَاثًا»، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: «وَإِنَّمَا أَنَا وَهَنْتُ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ. قَالَهَا ثَلَاثًا». رواه الطبراني في الكبير (113) والحافظ الفسوي، في المعرفة والتاريخ (3/ 118) وابن كثير في البداية والنهاية ط هجر (10/335).

[4] انظر «الأذكياء» لأبي الفرج ابن الجوزي، (ص: 241) وما بعدها، مكتبة الغزالي.

[5] رواه الطبراني في الأوسط (7696)، والدارقطني في سننه (4308) والبخاري في الأدب المفرد (865)، وصححه الألباني.

[6] صحيح البخاري (6145).

[7] فن الأدب.

[8] «فتاوى دار الإفتاء المصرية» (10/ 260).