وكل البلاد تمضي إلى العُلا مستقبلا

وبلادنا إلى ظُلَم الوراء تحتشد..  

كانت أمي تحكي لنا عن مولدٍ ما.. كان يُقام على ثرى قريتنا في أزمنة غابرة..  يُدعى مولد سيدي سبيت.. فكُنا نخالها حكايةً من ماضٍ بعيدٍ جدًا وإن لم تكن كذلك زمنًا.. تتجسد ملامحها كقصةٍ تَزَعم بُطُلتها ثُلة من العجائز الذين لم يكن لهم حظًا وافرًا من العلم الديني والدنيوي.. في قرية بعيدةٍ هادئة في جوف الدلتا.. يضيق أهلها ذرعًا بين براثن الفقر والطبقية والجهل وإن خف ذلك مع تقدم الزمن..  لا تعلم شيئًا من تدابير السياسة وشؤون الحكم..  وكأنها في معزلٍ تامٍ عن هذا العالم خارجها.. يقتات أهلها في ظل ضيق معيشتهم على الصبر..  ويتقربون إلى الله زُلفًا بالقرابين على أضرحة الأولياء..  ويطلبون العون والمدد على نوائب الدهر من السادة السلف الصالحين..  لم يكن ثمة طريقٌ أخر في مُعتقدهم لإزاحة مرضٍ أو بث شكوى أوطلب الذرية وفلاح الأبناء يسلكونه..  وفي ذكرى المولد من كل عامٍ.. فرصةٌ جيدة لكسب أيامٍ  يحتفون به كعيدٍ ثالث في ظل الأيام المُقفرة.. مزيجٌ من مرحٍ وحلوى وطعامٍ ولعب.. كان متنفسًا سهلًا لأهل بلادنا المنسية الكادحة..  والتي على الأغلب لم تكن عالمةً بحرمة هذه الأفعال مع قلة الروافد الدينية في هذا الزمن.. ولا أقول هذا تبريرًا ولكن  سوقًا للأسباب لفهم الواقع حينها..  ومع تقدم الزمن وانتشار التعلم .. ظننا أن عادة قد اندثرت في قريتنا..  وباتت جزاءً من ماضٍ لا يمكن له أن يتكرر.. وإن كانت لا تزال قائمة في المدينة وبعض المدن الأخرى..  إحتفاءً بسيدٍ أخر على نطاقٍ أوسع كنا قد حسبنا أنه قد أخذ طريقًا نحو الضيق والاندثار..  حتى عاودتنا تلك الست الأُخر العجاف..  وأدركنا من الهموم مما أدرك الأُول..  وانسقنا بتدابير الحُكام إلى العصور الأفلة..  فأيقظت في النفوس جذوة الحقب البائسةِ سلوةً عن حال أزماننا..  وساقتهم ثانيةً طواعيةً إلى إحياء الموالد وزيارة الأضرحة والبدع وطلب الشفاعات..  في حركة إلهاءٍ وتنفيس قديمةٍ حديثة.. صادفت هوًى في النفوس الهائمة إلى الماضي مع ضنك الحاضر..  فبدلًا من محو أثار البدع والتخلف.. يُخرجون لنا جيلًا جديدًا من المولديه.. ويزرعون تلك البدع في نفوس الصغار.. بأيدي الأهل الكبار والمتعلمين..  ما يلبث أولئك حتى يقدسون تلك العادات وتراهم مع الوقت يدورون خلف الموالد في كل مكان يلتمسون الأُنس وبركات الأولياء.. وفي خطةٍ محكمة تعود الأجيال معًا إلى الوراء وينصرف الناس شيئًا فشيئًا عن تصاريف الأمور وشؤون البلاد.. بعد أن حُرقت ورقة الإلهاء عن طريق الدراما والسينما والإعلام قليلًا.. ويتفرغون للكد تحاشيًا لفقرٍ مُدقعٍ اجتاح حياتهم أو على الأقل ما زال يقرع أبوابهم بعنف.. وينفرد الساسة بالبلاد بلا مراقبٍ ولا منازع..  فيطرب القرويون البسطاء ويتمايلون على حكايات المواويل غير آبهين بما ينسج على إيقاعها من الخلف.. في طريقةٍ ممنهجة لتخدير البسطاء والعودة بهم إلى الوراء..  وليس البسطاء فقط أولئك الذين لم ينالوا حظهم من التعليم..  بل حتى بعض المتعلمة الذين لم يفهموا حقيقة اللعبة طوعًا أو كراهية.. والفاجعة الحقيقية تتجلى في أنها كشفت لنا عن سنواتٍ من التعليم لم تُفلح في إزالة تلك الخُرفات المتجذرة في النفوس.. وأنها توارت فقط في ظل ظروفٍ معيشية معينة..  ثم ما لبثت أن عادت لنا مجددًا مع أول شرارةٍ طالت مكامنها في النفوس..  فكل تلك الأعوام التي قضاها المتعلمون على مقاعد الدراسة في بلادنا..  لم تكن سوى كذبةٍ كبرى..  لم تقدر أو حتى تهدف أبدًا إلى تغير مفاهيمٍ أو ثَقلٍ للعقول والأفئدة.. 

لعبةٌ قديمةٌ حديثة ما زال يستثمرها جُل من اعتمر سلطة بلادنا 

من قديم الزمن..  حتى أن البريطانيين قد وعوا لها فاستخدموا الحركة الصوفية كسلاحٍ في مواجهة السلطان عبد الحميد بعد أن أمن لهم فانقلبوا عليه.. وكل هذا بعيدًا عن الحكم الشرعي الذي لا يخفى على أحد.