أي شيطان تقافز في خيالك لتكتب عن هذا الجحيم بتلك العبقرية!

  لا أعرف من أين أبدأ، هذه الرواية تناطح أكثر الروايات تاريخا، تزاحم كبار المؤلفين على مكانتهم.عادة يحتاج المؤلفون لبضع صفحات لتتعرف على الشخصيات، وصفحات أكثر لتندمج مع الحكاية، وربما أجزاء لتنتهي القصة كما يجب، إلا أنني هنا أمام 120 صفحة توحدت مع قصتها من أول حرف. حتى أنك لم تصرح عن اسم السيد لا أحد كي يبقى كما بدأ بطلا هامشيا!


  هل سألت نفسك يوما كيف يعيش من لا وجود لهم بالحياة، هذا الشخص الذي رأيته صباح اليوم بينما أنت متجه إلى العمل، وربما لن تراه مجددا هامش في حياتك ليس مهم أنت تذكره، فمابالك ببائعة تمر عليها يوميا، وجار لا يجمعكما حتى السلام هؤلاء الذين أمامك وليسوا أمامك. شفافون وليس في حياتك وحدك، بل شفافون حتى في حياتهم!


  الرواية عن أحد المهمشين فلا اسم سيذكر له. شخص يصل قصصا من ماضيه بقصص من حاضره، يرعى شيخا ليس بأبيه، يقطن في حارة تعج بالشخصيات المختلفة لكنها تتحد في الفصام الذي أصابها، فما أسهل أن تُدهس المبادئ تحت وطأة القهر. يحاول "اللا أحد" أن يبقى على تلك الحالة الشفافة لا يجمعه بمن حوله إلا ما يخص مصلحة عاجلة للشيخ أو له. يموت الشيخ ويُكتشف بعد أيام وحيدا في شقته، لتدخل في دوامة مع المحقق "رفيق" في محاولة إيجاده، مارا "بعمي مبارك" صاحب القهوة والشيخ "حسان إمام الجامع" و"قادة البياع" وغيرهم. أما عن النهاية فهي كهدف في الثانية الأخيرة لفريق على أعتاب بطولة قوية ومحيرة وقاسية.


  لعلك فهمت رمزية الرواية الآن فإن جمعنا المهمشين في مجتمعاتنا سنبلغ السماء وستظل تتساءل متى وكيف بدأ هذا الخطأ، وما الذي يدفعنا للهروب حتى من أنفسنا!
ربما العيب الوحيد الذي وجدته أن التنقل بين الأحداث والشخصيات سريع ودونما تنبيه، تحتاج أن تكون يقظًا للغاية كي تعرف عمن تتحدث الفقرة. كان من الممكن أن تكون أسهل إلا أنه مغفور أمام ما قدمه الكاتب.

  

  الروائي الجزائري أحمد طيباوي أستاذ إدارة الأعمال بجامعة البويرة حاليًا،  وأستاذ بكلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بجامعة سطيف سابقا. ولعل ترشح رواية "اختفاء السيد لا أحد" لجائزة نجيب محفوظ للعام 2021 ليس عهده الأول بالجوائز، فقد فاز بجائزة الطيب الصالح عن رواية "موت ناعم" للعام 2014، وجائزة علي معاشي عن روايته الأولى "المقام العالي". وله عدد من المقالات في جريدتي "الحوار" الجزائرية و"القدس العربي" اللندنية.  



 أخيرا دوما ما أهدتنا الجزائر أدباء كبار، وإلى الآن أحمد الله أنني لم يخب ظني يوما في أي إبداع قادم برياح الجزائر. رواية تستحق القراءة بتقييم (4/5)، قراءة ممتعة.