يُدرك تمامًا أن رغبة الفرد في العمل تعكس كفاءة أدائه وإنتاجيته، وأن الحاجة غير المشبعة تدفعه لاتخاذ السلوك تجاه الهدف المحدد، فتصبح بذلك مهمة إدارة الأفراد في المؤسسات لتحقيق الأداء المطلوب من جانب موظفيها "صعبة" ... ولكن ماذا لو طبقنا نظرية الإدارة اليابانية (z)؟

      كان أول من وضع الملامح الأولى لإدارة الافراد، هي حركة الإدارة العلمية التي أسسها فريدريك تايلور Frederick Taylor وزملائه، إلا أنها عدت "الجهد" المعيار الأساس في العمل، دون الاكتراث لاحتياجات العامل النفسية والاجتماعية، مما أدى إلى انخفاض الرضا في الأوساط العاملة وبالتالي التأثير على العملية الإنتاجية، وظهور حركة العلاقات الإنسانية التي جاء بها إلتون مايو Elton Mayo وتشير إلى إدارة الفرد من خلال العلاقات بين الجماعة والإهتمام بإنسانية العامل، وبناءً عليها ظهرت العديد من الأطروحات.

      وتعبيرًا عن وضع مراحل الفكر الإداري وبشكل خاص "إدارة الافراد"، قدم ماك جريجور Macgregor نظريتين في الإدارة، تمثل انماطًا لمفهوم الإنسان وسلوكه؛ الأولى نظرية (X) القائمة على فلسفة "العصا والجزر"، التي اعتبرت العامل كــآلة بيولوجية، واجب تشديد الرقابة عليها مقابل الحوافز المادية، وتجاهل الحوافز المعنوية، فأعتبرها نظرية "غير سليمة" تؤثر سلبًا على الكفاءة الإنتاجية، وذلك كما حصل في منظمات الأعمال الأمريكية (A). لذلك قدم جريجور افتراضات عقابية ومضادة اسماها نظرية (Y)، التي تهتم بالعنصر البشري، وتقوم على عدة إفتراضات، أهمها: أن العامل لا يعمل ضد إدارة المؤسسة وأهدافها، وأن مهمة الإدارة لا تقتصر على توجيهه، بل كذلك اكتشافه وتطويره، واعتباره قائدًا لا مرؤوسًا.

      وتأتي بعد نظريتي جريجور نظرية (z) التي وضعها عالم الإدارة الياباني وليام أوشي William Ouchy عام 1981م لمعالجة مشكلة تدني الإنتاجية في الشركات اليابانية خارج حدود اليابان، وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية، استخلصها من الطريقة اليابانية القائمة على أسلوب (J)، وذلك بما يمكن تطبيقها في الدول الأخرى. ويأتي سبب تسميتها من طريقة الترميز المستخدمة في الرياضيات، فإذا تم رمز شيئين فسيكون الرمز الأول X والثانيY والثالث Z.

      ولتوضيح مضمون النظرية (z) ومقارنتها مع نموذجي الإدارة اليابانية (J) والأمريكيـة (A)، ندرج جدول مأخوذ من الكتاب المشهور "النظريـة Z فـي الإدارة" الصادر في أوائل الثمانينات، للكاتـب اوشي، الذي يبين من خلاله خصائص كلّ منها.


  الخصائص

    النظرية (A)

    النظرية (J)

    النظرية (Z)

    مادة     التوظيف

 عادة لفترة قصيرة

 ترك العمل امر نادر

 غالبًا لفترة طويلة

 الترقية

 سريعة جدًا

 بطيئة جدًا

 بطيئة مع التدريب والتقييم

 المجال   الوظيفي

  متخصص جدًا   (مجال وظيفي   واحد)

 عام (الاستمرار في التنقل   من مجال لأخر)

 أكثر عمومية (التركيز على   التدوير الوظيفي مع التدريب)

 اتخاذ   القرارات

 من قبل المدير

 من خلال المجموعة

 بالمشاركة واتفاق الجماعة

 تقييم الإداء

 صريح ورسمي

 غير رسمي وضمني

 غير رسمي وصريح لكن   بتقديرات واضحة ورسمية

 المسؤولية

 تحدد بصورة فردية

 تحدد بصورة جماعية

 تحدد بصورة فردية

 الإهتمام   بالموظفين

 الإهتمام بحياة العامل (اثناء الخدمة)

 الإهتمام بحياة العامل   (العملية والاجتماعية)

 الإهتمام بحياة العامل ليشمل   كل الجوانب


      خصائص نظرية (z):

     - تستند إلى قيم أساسية، وهي: الثقة، والمهارة، والمودة.

     - تقوم على نهج التوظيف الدائم للعاملين، وبطء عملية التقييم والترقية، وتنقل الموظف في العديد من الوظائف والأعمال، لتطوير مهاراته الفنية والإدارية، ولتنمية روح التعاون والتآلف في المنشأة.

     - تربط النظرية بين مسألة نجاح المدراء فيما بينهم، وببين قدراتهم على الإتفاق حول مجموعة من الأهداف الأساسية المتعلقة بتسيير اعمال المنظمة؛ كالتفاهم حول أنواع المنتجات، والخدمات التي تقدمها.

     - يتم بالغالب إتخاذ القرارات فيها بالمشاركة والإجماع، وتبقى المسؤولية النهائية فردية.

     - لا تعتمد في عملية التوجيه على السلطة الهرمية والرقابة المباشرة لسلوك العاملين، بل على السلطة غير الرسمية، وعلى مبدأ الرقابة الجماعية والذاتية.

     - تتبع المنظمة في النوع (Z) شكل العشائر، حيث تحتوي على تجمعات متآلفة تمارس نشاطًا اقتصاديًا معينًا، تربط بين افرادها العديد من الصلات.


     عملية التحول:

      تعد عملية تحول المنظمات إلى النوع (Z) عملية غير سهلة، فحتى الأن لا توجد خطوات متفق عليها، لتعدد واختلاف بيئات المنظمات، إلا أنه من الممكن القول إن هذه العملية اجمالًا تتطلب أرضية معينة، واستهداف كامل للمنظمة، وتنفيذ العديد من الخطوات، من أهمها:

     1. توضيح أوضاع ونظام المنظمة قبل الشروع في أي نظام جديد.

     2. تقديم شرح تفصيلي عن النظرية (z ونواتها أسلوب (J) لمسؤولي المنظمة.

     3. المقارنة بين النظامين (الجديد، والقديم) لمعرفة الفروقات بينهما، ولكشف مساوئ المعتقدات والممارسات القديمة، واستنتاج فوائد النظام الجديد، لإزالة الشكوك والمخاوف حوله.

     4. إعادة تنظيم وتصميم العمل وهيكله التنظيمي بما يتماشى مع تطبيق النظام الجديد.

     5. بدء التنفيذ في المستوى الإداري الأعلى، وتسهيل مبدأ المشاركة، وإعطاء القدوة الحسنة للمستويات التنظيمية الأخرى التي عليها. فالإصلاح والمبادرة تنطلق من القمة.

    6. اطلاع الاتحادات والنقابات المعنية على عملية التحول قبل احداث اية تغيرات، انطلاقًا من مبدأ المشاركة العريضة في قرارات المنظمة.

    7. توفير نظام خدمة وظيفية مناسب، يتضمن: تحقيق الاستقرار الوظيفي. وإقرار نظام الترقية الذي يركز على المكاسب طويلة الاجل. وإقرار نظام المشاركة في التخطيط واتخاذ القرارات لخلق عنصر التحدي، وعدم الإعتماد على التخصص الدقيق والعمل الروتيني البسيط المتكرر. وتقديم المكاسب قصيرة الأجل ومنها الحوافز المادية التي يعد تطبيقها سببًا من أسباب تحفيز الأفراد وزيادة الإنتاج. وإقرار نظام المشاركة في الأرباح، الذي يجعل أفراد المنظمة يعملون باتجاه واحد تعاوني لتحقيق مكاسب تعود بالنفع للجميع.

   8. تشجيع مجالات المشاركة الفعلية للعاملين، وعدم اقتصارها على صناديق الاقتراح.

   9. تنمية العلاقات الشمولية، ولا يتم ذلك عن طريق توحيد اللباس الواحد او الشعارات، بل عن طريق قيام متكامل، وتآلف اجتماعي بين الرؤساء والمرؤوسين، وإيجاد الثقة بينهم، ومساعدتهم في تخطي مشاكلهم، وبث روح العمل الجماعي والتعاون بينهم، واحداث الانتماء لديهم للمنظمة.