الفصل الأول: النسيان

الجزء الأخير:

رتبت حسناء الحمام ثم انتقلت إلى بيت النوم، وبعدها جاء دور الصالة، وأثناء ترتيبها لهذه الأخيرة وجدت ورقتين بين الأسرة، لتلتقطهما وتبرأ بقراءة ما كتب فيهما.

اليومية الخامسة، 15 ماي 2016:

لماذا قمتما بإنجابي في هذه الحياة البئيسة؟ لماذا متما وتركتماني وحيدا أقاصي شظف العيش؟ أنتما الآن في الجنة تنعمان بنعيمها، وأنا هنا أموت ألف مرة في جحيم هذه الأرض ولعنة النسيان كل صباح! لو لم أتصل بأمي ذلك المساء، لو لم أخبرها أنهم يتنمرون علي، لما متما في تلك الحادثة اللعينة. لو لم أتصل لما كنت الآن مضطرا أن أعيش وهذا الوحش بداخلي. حتى أني لا أفرق بيننا، في بعض الأحيان أحس أنه يستهلكني، أتحول إليه ويبسط سيطرته على حياتي ووجودي. حتى أنني لا أتذكر ما الذي قمت به طوال اليم في الكثير من الأحيان، وغالبا أنسى من أنا لا أتذكر أي شيء من حياتي السابقة، لأظل اليوم كاملا هائما بين متاهات ذاكرتي، أحاول استعادة ذاتي دون جدوى.

كم لعنت نفسي، ولعنت معها أبي المتجبر الذي لم يترك لي أي فرصة لكي أخبره له أنني كنت على وشك التعرض لعملية اغتصاب. فكل ما كان يهمه أني أيقظته ليلا وأقلقت راحته. هذا ما يفكر فيه أغلب الذكور، الأكل والجنس ثم النوم. كأن محور العيش في هذه الدنيا مبني على هذا الثلاثي فقط! الآن فقط يا أبي سأقول لك وجودك كعدمه، لم تقدم لي أي عون سوى أن لحمك ضمن لي الحياة وأنقذني من مصير الموت جوعا. أمي هي من يجب أن أشكر لأني أعلم أنها لم تخبرك عن سبب اتصالي، لأنها تعلم أنك متزمت وستصب جام غضبك علي، دون أن تأخذك أي شفقة ولا رحمة بمشاعري المنهارة. كنت ستعتبرني شاذا وتشبعني ضربا، لكي لا أكرر فعلتي. وربما بت ليلتها معلقا. لهذا لم تخبرك أمي العزيزة بما قاسيته في تلك الليلة ولن تخبرك أبدا. أبي لست آسفا على موتك أو على أكلي للحمك النيء الكريه الرائحة، أنت من يجب عليه أن يشعر بالأسف لأنك جعلتني وحشا دون أن تشعر!  أتمنى أن تكون في أحلك أماكن الجحيم المخصصة لأولئك الذين لا ينصتون لمشاكل أبنائهن، أولئك الذين لا يهتمون بأطفالهم، ولا يرغبون بمعرفة ما يعانون منه. أتمنى أن تتعفن قرب إبليس، فأنتما عندي سواء.

كانت حسناء مصدومة مما قرأته في تلك الورقة، فهي تعرف خط سامي جيدا، لكن لم تصدق ما كتبه! لا يمكن أن يتحدث عن الحادثة التي تذكره كل صباح بنفسه ويتركها مهملة هكذا! كانت ترتعش خوفا، إلا أنها تمالكت نفسها وأكملت قراءة الورقة الثانية التي أسقطتها أرضا، وجعلتها تتصبب عرقا من الفزع الشديد.

اليومية العشرون: 23 فبراير 2019.

يجب أن أكتب بسرعة، ربما عاد الآخر الشرير واكتشف ما أقوم به سرا. لقد بدأ ينفلت مني، ويشتهي أكل أشخاص لم يقوموا بأذيتنا أبدا. إلا أنني مصمم على إيقافه حتى لو وضعت حدا لحياتي. فهذا البؤس، والنسيان والصراع الذي أعيشه في عقلي بين شخصين، ما عدت أحتمله. اليوم في الكورنيش شاهدنا فتاة جميلة وتائهة. بهرني جمالها الطبيعي وغمازاتها التي منحتها براءة طفولية منقطعة النظير. تقدمت منها عارضا مساعدتي، ثم بدأت سلسلة التعارف المملة. لكن الآخر بدأ يوسوس في أذني لكي نستدرجها إلى وكرنا ثم نأكلها معا. فهي بريئة ، جميلة، ومثيرة، أي أن لحمها سيكون شهيا جدا، خصوصا لحم أردافها الممتلئة المتناسقة.
من عادتي أني لا أستطيع مقاومة إغراءات الشرير ، لكن هذه المرة صممت على إنقاذ حسناء من الهلاك، والموت المروع الذي ينتظر كل ضحية يريدها ذلك الوحش الساكن بداخلي. كانت فاتنة تأسر بحركاتها الرزينة وصوتها الملائكي وأنوثتها الطاغية، أما حديثها فكان رزينا. كنت مخطئا في حكمي على الجنس اللطيف، لكن اليوم تغيرت نظرتي، وتوقفت أعيد ترتيب أفكاري حول الأنثى وأمحو ما كان خاطئا منها.
حسناء، أريد مصارحتك بحقيقتي، لكني لست شجاعا بما يكفي لكي أبوح لك بكل ما حدث في طفولتي البائسة، لست شجاعا إلى ذلك الحد الذي يجعلني أنظر في عينيك وأخبرك أنني وحش، وأنني أكلت أمي وأبي لكي أعيش، وأكلت لحم كل من أساء إلي ذات يوم. حتى أني فكرت في أكل لحمك، أو بتعبير آخر راودني الآخر الشرير عنك. عوضا عن مواجهتك ها أنا أكتب مذكرة، وكلي أمل أنك ستجدينها ذات يوم صدفة، لتكتشفي حقيقة زوجك، وتقرري بعدها إن كنت أستحق المساعدة، أو ستتركينني أصارع الشر الساكن بداخلي الذي يأبى الخضوع. إن ما يجول في خاطرك الآن صحيح، أنا لست إنسانا ولن أكون إنسانا، لكن الحب الذي عشته معك جعلني أتوق إلى استعادة إنسانيتي، فهلا ساعدتني!.
يا إلهي إنه عائد، الوحش يستيقظ مجددا. يجب أن أختم هذه المذكرة بسرعة قبل أن يكتشف الأمر. حبيبتي إن وجدت هذه المذكرة ذات يوم أتمنى أن تتعاملي معي كأنك لا تعلمين حقيقتي، فربما بسط سيطرته علي مرة أخرى ليؤذيك!

هنا توقفت الكتابة تاركة ألف سؤال يجول بذهن حسناء، أعادت قراءة المذكرتين عدة مرات، لعلها تجد شيئا جديدا، لكنها لم تكتشف أكثر مما وجدته في الورقتين. لذلك بدأت بتحليل الأحداث؛ لتخرج من ورطتها مع قاتل صامت، بأقل الأضرار!
لا شيء يجعل قلبي يسقط فزعا أكثر من صراخ زوجتي الحامل. لملمت شتاتي وهرعت مسرعا إليها، لأجدها ممسكة بورقتين في يدها، وما إن رأيتهما حتى تيقنت أنها اكتشفت سري. أخفت الورقتين بسرعة وقالت:
-سامي أحسست بها تتحرك، أشارت إلى بطنها المنتفخ كبالون عيد الميلاد.
-حبيبتي هل.. هل.. حان الوقت؟
نسيت كل ما يدور حولي لحظتها، لأجري دون وعي أبحث عن هاتفي لأتصل بالإسعاف، وقبل أن أركب الرقم سمعت ضحكة حنونة من ورائي، لألتفت مستفسرا عما جعل زوجتي الحبيبة تضحك.
-أنت رائع أيها الزوج المثالي، وبابتسامتها المعهودة أكملت، لا تخف إنها مجرد حركة كانت قوية أكثر من سابقاتها، لازلت في الشهر السادس من حملي، وبفرح طفولي أضافت: سامي إبنتنا تخبرنا أنها هنا.

أجلست حسناء بجانبي أتفقد بطنها، أداعبها وأمطر سرتها البارزة بقبل حنونة، وأنا أحادث ليليان، وأمدح جمال أمها ورقتها، أخبرها أنها ستكون في مثل حنان ورقة حسناء. كانت علامات الدهشة على وجه زوجتي كأنها تراني لأول مرة في حياتها، هنا تذكرت الورقتين اللتين وجدتهما، لكني لم أشأ أن أستفسر عن الأمر، وتركت لها المجال مفتوحا لكي تبادرني بالحديث عما قرأت، إلا أنها لم تفعل! 

تم الفصل الأول وسأعمل على كتابة الفصل الثاني الذي يحمل عنوان "منحدر الظلام" وهنا تجدون الأجزاء الأولى لمن فاته قراءة القصة من البداية: 

الجزء الخامس.

الجزء الرابع.

الجزء الثالث.

الجزء الثاني.

الجزء الأول.

في الأخير أدعوكم إلى زيارة صفحتي وتفقد بقية قصصي ومقالاتي، ثم الضغط على زر المتابعة للمزيد من القصص والمقالات المفيدة مستقبلا.