الفصل الأول: النسيان.

الجزء الخامس: 

ضحك بسخرية وأجابني:

-أتعتقد أن الأمر بسيط لهذه الدرجة؟ فما دمت حيا سأظل معك، ولن تنتهي علاقتنا إلا بفنائك يا صديقي!

أجبته بكل برود:

-أنت ميت في نظري، وغادرت الحمام قبل أن يضيف أي كلمة أخرى.

مرت كشوفات حمل زوجتي بخير، وكان المولود المرتقب طفلة تنعم بصحة جيدة، مثلما كنت أتمنى. أما فرحة زوجتي فلن أستطيع وصفها مهما حاولت. ظلت طوال طريق العودة تصف لون غرفتها، وشكل سريرها وكثرة ألبستها! حتى أنها اختارت لها اسما جميلا "ليليان". كنت سعيدا لسعادتها، ومغتبطا لفرحتها، حتى تجرأت وقبلتها قبلة طويلة وسط الشارع، لتخفي وجهها في صدري خجلا.

-أحبك! -ياه، أتعلم أنك أول مرة تقولها لي؟

-أحبك!                    -توقف! أنت تبعثرني.

-أحبك!                      -أتذكر هذا المكان؟

سرحت بذكرياتي أسترجع أول لقاء لنا، حين اشتهاها أنا الآخر الشرير. أحسست أنها لا تستحق تلك النهاية البشعة التي تنتظر كل من اشتهاها، هنا صممت على إنقاذها منه وجعلها شريكة حياتي. بسبب حسناء استطعت أن أكبح جماحه.

فلاش باك: "الجحيم فارغ وكل الشياطين هنا"

استيقظت هدى لتجد نفسها في غرفة مجهولة، محاطة بسواد وصمت رهيبين. حاولت فرك عينيها لتتمكن من الرؤية قليلا، لكنها وجدت يديها مقيدتين. فقدت الإحساس بكل شيء، حتى ذاكرتها تأبى مساعدتها على تذكر من هي أو ماذا تفعل مقيدة في هذا المكان! ومما زاد من رعبها أنها لا تتذكر اسمها، هنا بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها، والهلع يمزق حيرتها. ربما هي ميتة! لكنها لم تكن تشكو من أي مرض حسبما تتذكر!! أصغت السمع جيدا لتلتقط أخيرا وقع خطوات يقترب منها.

-مرحبا هدى، أعتقد أنك لا تذكرين أي شيء؟

هدى! هذا الإسم ليس غريبا، وكذلك صوت الشخص الذي شاركها الغرفة المظلة. على الأقل تيقنت أنها ليست ميتة. هدأ روعها، وانتظمت أنفاسها، كي تستعد لمواجهة هذا المختطف.

-هل يمكنك أن تنير الغرفة؟ على الأقل كن شجاعا وواجهني بوجه مكشوف!

أنار المصباح فوق رأسها مباشرة مما أعاق الرؤية الواضحة لدى هدى، لكن رغم ذلك استطاعت أن تعرف الشخص الواقف بجانبها. وبهلع أكبر صرخت:

-أيمن؟!                       -أرى أن ذاكرتك بدأت تعود تدريجيا!

لم تستوعب هدى أي شيء، ما علاقة أيمن بها؟ ولماذا خطفها؟ ويحتجزها في هذا المكان المجهول؟ بدأ أيمن يشرح لها سبب وجودها في هذا المكان، ورغم التشويش الذي تعاني منه في عقلها حاولت استيعاب أغلب كلامه لكي تستطيع الخروج بأقل الأضرار. فهمت أنه حقنها بمخدر يكبح عمل الذاكرة لبضع ساعات، وقد بدأ مفعوله منذ ساعة، كما أنها كانت على علاقة بأيمن، انتهت بانفصالهما لأنها لا تحب التقيد بعلاقة طويلة الأمد. بدأت هدى تستوعب الأمر، اختطفها أيمن لينتقم منها لأنها تركته. أحست بألم يتسلل إلى صدرها، ربما اغتصبها وهي غائبة عن الوعي! إلا أن التفاتة منها إلى مكان الألم جعلها تصرخ رعبا! لا وجود لثدييها، ومكانهما مكوي بالنار ليمنع الدم من السيلان.

-أيمن ماذا فعلت بي؟ سألته والدموع تغرق عينيها

-أتعلمين، ثدياك أشهى ما في جسمك، لطالما أردت تذوقهما، لكنك تقدسين صدرك كثيرا، مما جعلك تحرمينني حتى من النوم عليه حين أحتاج السكون إليك! لذلك أردت أن أجعلهما طعامي، انظري!

جر أيمن طاولة كانت محجوبة في بقعة سوداء من الغرفة، وفي طبق أبيض ظهر ثديا هدى مطهوين بدون عناية. جلس أيمن وأخذ يأكل بتلذذ وهدى تراقبه بتقزز جلي، ولولا الألم الذي بدأ يعتصر جسمها لتقيأت معدتها.

-إن ثديي أمي هما المقدسان، فهي من منحتني الحياة مرتين، لذا لا تجعلي ثدييك مقدسين كأنهما في مرتبة المرأة التي جعلت مني ما أنا عليه الآن! حتى أن لحمها من منحني حياة أخرى بعدما ماتت في تلك الحادثة الملعونة! لا تستغربي لقد أكلت أمي لأعيش، لذلك لم يذهب موتها سدى!

قاطعت هدى كلامه مترجية إياه:

-أيمن توقف، أنا لم أخنك أبدا، لقد فهمت بعض الأحداث بشكل خاطئ!

-أما زلت تنكرين الأمر؟ لقد رأيتك بين ذراعيه، ناهيك عن صوركما الرومانسية التي تملأ هاتفيكما.

رمى أمامها هاتفها وهاتف الشخص الآخر، فتساءلت هدى كيف حصل على هاتفه؟

-لقد قتلته بكل بساطة! أجابها أيمن والغل يملأ عينيه، قتلته بكل برودة دم.

بدأت الذكريات تتسرب شيئا فشيئا إلى عقل هدى، وبعد أن هدأت قالت بكل برود:

-لقد قمت بخيانتك، إن ما تعرفه فقط جزء بسيط مما فعلته وأنا مستمتعة، أنت كنت نزوة في حياتي فلن أحب فاشلا مثلك، لذا افعل ما كنت عازما عليه، اقتلني وخلص نفسك من هذا العار!

كان أيمن هادئا أمامها، ينهي آخر لقيمات من ثديها الشهي، وبعد برهة أجابها:

-لا لن أقتلك، لكني سأجعلك تعيشين هكذا بدون صدر تقدسينه، ولن يحبك أي شخص آخر، ستعيشين وحيدة طيلة حياتك! الموت ليس هو أبشع نهاية، بل العيش منبوذا بدون حب!

قام أيمن بسكب سائل أخضر مكان الحروق في صدر هدى، لتحس بألم يمزق كل أوصال جسمها، كأنها طعنت بألف رمح مرة واحدة. قبل أن تفقد هدى وعيها من قوة الألم أخبرها أيمن أن تلك المادة تقتل النهايات العصبية في الجسم، لذلك لن تتمكن من زرع أي ثدي مرة أخرى!

الوقت الحاضر:

كانت حسناء تقوم بأعباء المنزل اليومية المملة، من كنس للغبار وكي للملابس، وتحضير لطعام الغذاء. وبين هذا العمل وذاك تشغل بعض موسيقى الروك أو الشعبي* أو حتى بعض مقاطع بيتهوفين أو الفصول الأربعة*، حسب رغبتها ونفسيتها، لأنها لا تحب أن تتقيد بلون موسيقي واحد وأوحد. رتبت حسناء الحمام ثم انتقلت إلى بيت النوم، وبعدها جاء دور الصالة، وأثناء ترتيبها لهذه الأخيرة وجدت ورقتين بين الأسرة، لتلتقطهما وتبرأ بقراءة ما كتب فيهما.

يتبع...

*الشعبي: نوع موسيقي مغربي يتميز بإيقاعاته السريعة. 

*الفصول الأربعة: مقطوعات موسيقية للفنان العالمي فيفالدي، تمثل فصول السنة: الشتاء، الخريف، الربيع، الصيف. 

الجزء الرابع.