سؤال أطرحه اليوم يفتح نوافذ أمام أسئلة أخرى كثيرة تتعلق بعوالم الكاتب و نصوصه ، و قد تناولت الموضوع من قبل ، و إنما أعيد طرحه اليوم من زاوية أخرى تتعلق بسلطة القارىء ، و هل يملك محاكمة الكاتب بموجب تلك السلطة؟!

فبداية ابدأ بطرح السؤال : هل للقارىء سلطة على النص؟

إن الإتجاهات النقدية الحديثة ترى أن الكاتب عندما يطرح نصه للجمهور فإن سلطته على النص تصبح معدومة ، و هو ما يعبرون عنه بما يسمى بـ”موت الكاتب“ ، فهم يعتبرون أن زمن سلطة الكاتب قد ولى مخليا المكان لسلطة القارئ.

و لكن ما نوعية هذا القارىء الذى يتسلط على النص ؟

إنه القارىء الواعي المبدع الذى يقتحم النص متفاعلا معه و منصهرا بين سطوره ، يملأ فراغاته ، فيشكل معه وحدة واحدة متناغمة ، فكما يصف الدكتور حسن الرموتى هذا القارىء بأنه:

"يقتحم النص ، و الذى يبدو أول الأمر مغلقا .. يدخل معه فى تفاعل و حوار و انصهار .. يبحث فيه ليس عن حياة واحدة بل حيوات ، إنه القادر على أن يملأ فراغاته."

و ليس هو القارىء الذى يفترض أن الكاتب يتحدث عن ذاته ، فيشرع فى محاكمته مفترضا أن بطل النص هو المؤلف نفسه ، فيُعرض تماماً عن النص ، إنه لا يدرك أن الكاتب إنما يقدم لنا نموذجاً موجودا في المجتمع و ليس حياته الشخصية يعرضها علي الملأ!

و ليس هو القارىء الذى ينتزع من النص سطورا أو كلمات ، يبترها بترا ليؤيد تأويلا معينا يفرضه على النص فرضا ، فهو كما يقول الدكتور حسن الرموتي:

”و أحيانا يمارس تعسفا على النص ، حيث يلجأ إلى بتره أو قطع أجزاء منه و جذب أجزاء أخرى تتسم مع التأويل الذى يسعى إليه."

فالسلطة التى يمنحها النص للقارىء إذن ليست سلطة مطلقة تعسفية يمارسها القارىء على الكاتب و نصه ، و يملك بموجبها محاكمته ، بل هى سلطة إبداعية واعية.

فالقارىء المبدع لا يمنح النص و كاتبه حياة واحدة جديدة ، بل حيوات و حيوات ، أما القارىء المتعسف فيغتال النص و صاحبه !