أهلًا بكم. كيف الحال؟ آمل أن تكونوا في أفضل حالاتكم، لأنه ربما تتبدد سعادتكم بعد قراءة القصة. لن يصل الأمر لحد التعاسة و لكن ربما تغيير بسيط في المزاج مع بعض الشجن الخفي. أعرفكم بنفسي، أنا راوي تلك القصة و لدي عادة غير محببة و هي التدخل في الحديث كثيرًا و فرض آرائي الشخصية. ربما لازمتني تلك العادة منذ الطفولة عندما كنت أجلس في مجالس الكبار و أسترق السمع ثم أبدا في التدخل بكل أريحية و عرض وجهة نظري فيما يتحدثون فيه. كانت أمي تعنفني و كثيرًا ما كانت تطردني خارج الغرفة لألعب مع الصبية. و هذا كان أبشع عقاب تمامًا كعقاب آدم عندما طرد من الجنة. رغم أن الجريمة كانت قطمة من التفاحة.... أحم أقصد طرح رأيي الشهي و اللذيذ كالتفاحة.

أعتقد أيضًا أنكم عرفتم عنى عادة أخرى منذ بدأت بتعريف نفسي، ألا وهي الثرثرة. ولكن هذا منطقي فمن يصغي لابد له من البوح و أنا أكره التكتم و الصمت كما أكره قلة الحديث. فأعتقد أن العالم لابد أن يكون ملىء بالصياح و الضحكات و الكلام و الثرثرة حتى يصبح له معنى.

وفاء فتاة ثلاثينية تعمل في إحدى الشركات رثة الفكر محدودة الرؤية. على قدر متواضع من الجمال تقطن في إحدى الأحياء النائية هناك في الزاوية البعيدة عن المدينة حيث البيوت المتباعدة بينما الخراف و العنزات تجري وسطها تتمتع بالمكان الفسيح و تأكل العشب النابت بقضاء الله و قدره. تخرج كل يوم في الخامسة صباحًا أملًا في إيجاد عربة تقلها حتى الطريق السريع لتتمكن من الذهاب إلى عملها في وقته.

فتاة عادية ليس لديها هوايات أو طموح ولا تخرج للتنزه تقريبًا، حتى أنها تتذكر جيدًا المرة الأخيرة التي ذهبت فيها للشاطئ عندما كانت في الرابعة عشر من عمرها ومن بعدها لم تر البحر ثانية. رغم أنها تعقد النية عند انقضاء الربيع و دخول فصل الصيف أن تذهب هذه المرة إلى (المصيف) كما تفعل صديقاتها في العمل. و لكن يمر الصيف تلو الصيف ولم تذهب لأي مكان.

تتذكر وفاء في صغرها أنها كانت تريد أن تصبح طبيبة لتعمل في المشفى القريب من منزلها فمنظر الأطباء ببهاءهم و أروابهم البيضاء كانت تثير إعجابها. ولكن هاهي لم تحصل على ما تمنت بعدما ألقى بها القدر إلى كلية التجارة. هي لم تحبها و لكن لم تكرهها.

مضت سنون الدراسة سريعُا لم تستطع فيها أن تكون علاقات صدافة وطيدة مع إحداهن. ولكن ماذا أقول إنها وفاء على أية حال. فمن يعرفها يعرف جيدًا أنها لا تتعرف على الأشخاص سريعًا كما أنها تكره الزحام و التجمعات و اللقاءات. ربما تكون المنطقة التي تعيش فيها بهدوئها و بعدها و سكونها فيها قد أثرت فيها فأصبحت مثل بيتها تمامًا بعيدة و هادئة و منطوية و منسية.

في أحد الأيام الشتوية المطيرة بينما تستعد وفاء للخروج من المنزل ذاهبة لعملها. وجدت من يطرق الباب بدقات متوالية لا تهدأ. أفزعها هذا كثيرُا ثم همت بفتح الباب حتى رأت أمامها ما لم يتوقعه أحد.

لا أنه ليس عفريت قادم من السحب الثقيلة و ليس كائن فضائى يحبها من طرف واحد و ليس شخص غامض طويل القامة مرتدي بذلة سوداء و نظارات قاتمة و ليس شبح ترك لها خطاب أسفل قدمها. 

كل هذا يحدث في القصص الخيالية فقط. بل كان أحد الخراف التى ارتعدت من البرد و ربما ضلت الطريق.

حياة فتاة كهذه لا تتوقع منها حدوث الكثير. إذا كنت تجلس و تقرأ هذه القصة أملًا في أن تقع عينك على سطر يغير مجري الأحداث فتتحول وفاء بين عشية و ضحاها إلى فتاة مسافرة أو أمرأة ناجحة أو سيدة أعمال مشهورة أو حتى رهينة مخطوفة من قبل إحدى عصابات القناع الأسود. فأنت حالم قد أفسدت القصص الخيالية عقلك.

بعدما تلقت وفاء هذه " الخضة" تنفسدت الصعداء و حمدت الله أنه لم يكن رسول أحد الأقارب ليخبرهم بموت أحدهم أو مرض أخر و أنه لم يكن أيضًا أحد اللصوص المنشرين في تلك المناطق النائية يريد التهجم عليهم حتى يسرق " اللي فيه النصيب" و كذلك أنه لم يكون واحدًا من مرافقي المرضى بالمشفى المجاور يريد من أهل البيت خدمة على وجه السرعة.

وضعت بعض الطعام المتبقي من غداء الأمس مع قدر به ماء إلى جوار المنزل و تركت الخروف يأكل في سلام ثم انصرفت إلى عملها. بعدما تزمرت من هذا " المقلب السخيف" لأنها سوف تذهب متأخرة إلى العمل مما يكدر عليها عيشتها نظير الخصم الذي سوف تجده بعد استلام راتبها آخر الشهر.

ااااااه لماذا نتعرض لتلك الموافق الغبية في اللحظات العصيبة. ولماذا تأتي المصائب في الأوقات التي لا يكون معنا ما يكفي من المال و لماذا نجد ما يُعطلنا عندما نكون في عجلة من أمرنا. على كلٍ لقد كسبت ثواب إطعام هذا الحيوان الجائع.

مرت السنوات طويلة ثقيلة مملة على قلب وفاء تتمنى كل عام أن تذهب للبحر كما تفعل الحمقاوات ممن معها في العمل. و تأجلها للعام القادم و العام القادم تؤجلها للعام القادم فالعمل لاينتهى و الأموال لا تتوفر و لا أحد لتسافر معه.

حتى جاء يوم ميلادها الثامن و الثلاثين. و كان يوم الميلاد الأروع  فتقدم لخطبتها أحد العرسان. الذي كان مرافق لزوجته المريضة التي تتردد كثيرًا على المشفى لتتلقي علاجها و كانت وفاء تراه مع زوجته عند عودتها من العمل. و لسوء الحظ أوقل لحسن الحظ توفت الزوجة تاركة بنتين و ولد في هذا الدنيا. ففكر الزوج أن يتقدم لوفاء لتستكمل هي مسيرة الزوجة في تربية الأبناء و مشاركته الحياة.

لم تتردد وفاء للحظة في قبول هذا الرجل فالعمر مر سريعًا وهي وحيدة بلا أم أو أب بعدما وافتهم المنية. بينما أخوتها يتمتعون بحياة جيدة مع أسرهم الصغيرة. و عللت القبول بأنه رجل وفي حنون لم يترك الزوجة وقت مرضها و ظل يرافقها بشكل شبة يومي لتتلقى العلاج. بالتأكيد لو مرضت وفاء فلن يتركها و لن يتزوج عليها في حياتها أيضًا ..ربما بعد موتها لكن في حياتها استحالة.

تزوجت وفاء و زرقت بإبن رقيق القلب على قدر متواضع من الجمال صبور ولا يتكلم كثيرًا تمامًا كأمه. و كان عندما يأتي الصيف تعده بأن تأخذه في رحلة إلى البحر مع أخوته و لكن ليس هذا العام ربما العام القادم. 


إذا كنت تنتظر نهاية للقصة فهذه نهايتها. و إذا كانت نهاية مملة و ليست على قدر من الإمتاع. دعك من النهاية، إذا كانت القصة كلها ليست على قدر من الإمتاع فذاك هو المطلوب بالضبط. فالحياة في أغلبها مملة ردئية قاسية. ربما فقط انتظار المصيف في العام القادم هو ما يجعل لها طعم . 

اسمحوا لي بالإنصراف الآن. أجد هناك جماعة من الأصدقاء تتحدث في موضوع شائق و أود التدخل فيه و إغداق آراءى  العبقرية عليهم.