يسير في طريق ترابية مُنتهها يُفرَّع إلى منفذ بيته...تتجسد الأحداث حية في ذهنه من خلال حديث قريبه، فتصله أصداء المعارك حول قريتهم، جلوس الجنود في الشوارع والتقاطهم لأي صوت ينبئ بحركة. الخوف يتزايد مع تصاعد حدة المعارك وعدد الجرحى والقتلى..المستشفى لم يعد كافياً فتم ضم المدرسة إليه....خالته ترقد هناك!

بوووووم....بوووم .. صاااااروخ ....

شقيقته الصغرى منشغلة بلعبها في منتصف الحجرة الواسعة التي تتوسط البيت، منذ بداية الحرب وأصوات الانفجارات هي الغالبة على السمع ويبدو أن الصاروخ الأخير له الأثر الأكبر على مخيلة الطفلة، تلفت يبحث عن والده فوجده يشير له بيده بسرعتها الثقيلة ليقترب وهو جالس بجانب باب غرفته على طرف الجانب الأيسر من الحجرة ذاتها، بخفة جسد جلال شبه النحيل توجه نحو والدة عبد الواحد وهمس في أذنه، انزعج الأب لكنه كتم انفعاله وأشار إليه بأن يبتعد عنه، خطى جلال بمحاذة جدار الحجرة إلى أن وصل إلى مكان لعب زهرة وقرفص جوارها.

وووووو...طيارة...حرك يده أمام وجهها ثم أبعدها ضاحكاً..راقبت حركة اليد بفضول ومرح ..مترقب..

صرخت الأم بـ : جلاااااااااااااال .. أين كنت .. كلمت خالتك.. كيف كان صوتها ؟!...ماذا قالت لك ؟

جلال: كلمت عثمان ابن خالتي وقال أنهم بخير..ابتسامة ركيكة علت وجهه جلال..لم تنتبه لها الأم فاستقر فؤادها، مع ذلك واصلت حديثها بغضب من تعطل أسلاك الهاتف وأن على هؤلاء الرجال اللذين يملئون البيت المسارعة لإصلاحه، هز جلال رأسه موافقاً وتبادل النظرات المتناغمة مع أبيه.

على أحد صخور جبل صبر جلس كمال منتظراً صديقه، في هذا الوقت من السنة تكون الرياح عاتية وباردة تضرب ثبات هذا الجبل وأجساد البشر وبالرغم من قلة الأمطار تظل الزراعة ممكنة واللون الأصفر الباهت مرمي على مساحات قليلة على سطح الجبل بسبب زراعتها في وقت سابق من هذا العام، فيما عدا ذلك فالأراضي قاحلة وصامدة.

سميع: أهلاً..

كمال: تأخرت.. قطعتني سكاكين البرد

سميع: غفوة بسيطة

كمال :غفوة أم أمور اخرى ..

ضحك سميع باستهتار..ومضيا معاً..

استلقى جلال على فراشه ورمى نظرة على المدينة المنحدرة أمامه عبر نافذته، تعز مدينة محصورة بين الجبال..وكأن الجبال تضيق عليها؟!...ومع ذلك تظل تعز مدينة فاتنة..تنفس الأمل من النسيم النقي الذي تسلل إلى رئتيه بعد زخات من المطر ..ثم تذكر يومه في أحد المنشئات الحكومية.. فالتفت ليمسك ورقة تحوى اسمه..جلال عبد الواحد.................تشتت نظرته وعاد بضع ساعات لما مضى..

طلب الموظف مبلغاً مالياً بطريقة غير مباشرة لإتمام المعاملة، كانت أول رشوة يشهدها بنفسه، لاحظ امتعاضته الأب من طريقة سير الأمور ثم أخرج بضع مئات من الريالات من جيبه ووضعها تحت الأوراق المطلوبة، كره أن يرى أباه مؤدياً لهذا المشهد كما أحرج الأب من كون ولده شاهداً عليه.

دخل شقيقه إلى الغرفة.. فتنبه جلال له ثم سأله: ما أصدا الحرب عندكم ؟

كمال: مثل صوتها في الشارع المجاور لكم ..

ابتسامة ود ساخرة على وجه جلال الأسمر المستطيل المزين بفم صغير مخطوط عليه شارب خفيف واللحية موزعة على الذقن والنصف الاسفل من خديه بعدم انتظام، وهو مازال متكئ بيده على السرير باتجاه كمال.

قلب كمال كتبه على المنضدة وقد جاء دوره في السؤال، وماذا عن أحمد ويوسف؟..ثم مد يده ليلتقط ملابسه من على معلاق مثبت على الجدار.

جلال : أحمد سيكون معي في الكلية ..أطرق ببصرة إلى الأرض وواصل كلامه ويوسف سيذهب ليجاهد...

ألتفت كمال بسرعه صوب أخيه ومازالت يده معلقه وقال: من؟!...

وجم وجه جلال لبرهه.. ثم وصل حديثه مع اخيه : من يريدون تغيير طريق الحياة بغير ما نرتضي!

استفاق عبد الواحد من غيبوبته..كان مستلقياً على سرير من المعدن ..بعد إصابته في ميدان المعركة ..أحس بثقل في التنفس..عرف أنه اصيب في مفصل كتفه برصاصة اخترقت الرئة...حاول رفع يده...فبقت ثابتة ..أدرك وقتها حجم الإصابة أن الأيام الأكثر صعوبة هي الآتية وليس التي مضت...

استمرت الأم في الاستفسار عن الحال والصحة ثم الثناء على الخالق، تتنهد هنيهه فتعود لذرف الدمع وتسأل عن الحال والصحة.. فتحمد الله على ما قضى وقدر، وعندما وصلت لمرحلة قاربت الإكتفاء من الطمأنينة بدأت بتوديع شقيقتها ولولامرضها...لأطالت..

يستغرب كمال من قدرة النساء على تكرار نفس المعنى بألف طريقة أو لنقل بمائة وثلاثة وستين مرة لتجنب المبالغة، ينظر إلى أباه الخالي من الحركة تقريباً فيبدوا عليه عدم الإهتمام هل هو غير مهتم حقاً أم أنه فقط يُحسن إظهار ذلك!

أنهت الأم المكالمة مسحت الدموع التي انهمرت على خديها بدون انتظام ..تنهدت ..ثم بادرت بإنتقاد الإبن الغائب "جلال" والبقية الحاضرة على أسلوبهم في فصل خط الهاتف طوال هذه الفترة، تقبل الأب والابن النقد...باعتياد.

كمال: زميل لي في القسم يقول أن هناك احتقانات وبضع مشاحنات سبقت هذه المرحلة..أجفل الأب ثم تغاضى عن إعطاء أي ردة فعل..ثم حرك يده السليمة بلا مبالاة.توشك الأم أن تقدم وجبة العشاء.. طعم المرارة في فم كمال قد سبق.

اللحظات الأولى في الكلية كأنها الأنفاس الأولى في الحياة، والشغف الذي يرافقنا لحظات الاستماع للمحاضرة الأولى تشبه لهفة الطفولة لتعلم الكلام ومخاطبة الكبار بما يعونه، هذا هو عطش جلال وفقده الذي يرتوى ويطمئن بالمعرفة، يلتفت جلال للأيام التي خلت فيرى جراحاً في وجدان بعض رفاق دربه ولهيباً يحيط بأخرين يعود لحاضره فيرى القاعة شبه خالية وكراسي الأطراف فقدت انتظامها تزاحم الطلاب عند باب الخروج وحومة منهم عند المنصة .. صوت المحاضر يرن في أذنيه يلتف حول معصمه ويشده للأمام.

بقلم : أمل محمد الحداد