سيراء فتاة في التاسعة من عمرها.. ذات شعر أصفر كالون الذهب الخالص ..لون مميز جداً (وإن كان أجعد) ..في مجتمع يغلب عليه اللون الأسود بتدرجاته ..وإن وجدت الصبغات فستظل تلك الألوان باهته غريبة على صاحبها مقارنه بلون شعرها النادر.. عينيها عسليتان بشكل جذاب وبشرتها أقرب إلى البياض من السمرة.. قصيرة بعض الشيء.. ووزنها أكثر من متوسط بقليل.. شقيه بتقدير جيد جداً مع مقدار من العدوانية و العصبية ..

يبدأ اليوم الدراسي بطابور الصباح .. الشمس مشرقة والهواء نقي ذو برودة منعشة .. وتمر هي في ساحة مدرستها.. تلفت الأنظار.. لا تنتبه لذلك كثيراً.. يتمنين الفتيات لون شعرها و ربما شيء من جمالها.. من خلال رمقها بنظرات ذات معنى ..وقد تخرج تلك الامنيات في كلمات صريحة!.. من يهتم ..سيراء لم تهتم ابداً.. نعم كانت تحمل ملامح جمال واضح..

لكن بداخل بيتها الصغير ..الذي تعيش فيه جدة... لا تعُول على الكثير من الأشياء.. وأب مسافر ..وأمها.. أمها لم تثني عليها مطلقاً .. لم تقل لها ما أجمل أبنتي الصغيرة ولا مرة ؟!!.. لأنها لم ترها !!

تظن أنها تحب أمها.. لكن لو أن هذه الأم كانت ترى.. لو كان بإمكاني تأمل لون عينيها.. العيون تحوي الكثير رأيت ذلك في ملامح عدد من الأمهات ..تحويان الحنان والاهتمام .. الشغف والأمان .. لكن عيني أمي .. مغمضتان دائماً.. مظلمتان دوماً..

تلاحظ الأم حزن أبنتها الصامت وعدائيتها كأنها تريد أن تنتقم من شيئاً ما.. تواري الأم (علياء) خوفها من أن تكون هي السبب.. ثم قررت ذات يوم ..

لا ليس مجرد ذات يوم .. وليست مجرد صدفة أو إلهام مفاجئ بل هو قرار ضروري و حاسم نتج عن حزن وألم .. وتجربة واقعة..

فمنذ فترة قصيرة كانت علياء مريضة .. ملتزمة للفراش حسب أوامر الطبيب.. وبتواجد الجدة ورعايتها تكافح المرض.. لكن أين سيراء.. أبنتها؟؟

ما الذي اهتمت به أبنتي طوال هذه الفترة .. تأتي سيراء لتقف في باب الغرفة.. تنظر بصمت وجمود ثم تسأل عن.... موعد الغداء أو العشاء!

وعندما يتحسن الوضع ويبدوا عليها بعض الاهتمام.. تسأل سؤال باهت : متى ستشفين؟

أممممه ..ياسيراء..أهكذا يكون انشغالك على أمك؟؟!

تدور الاسئلة برأس علياء لماذا؟!

ألأني لا أستطيع أن أجاري خطواتك السريعة يا سيراء ؟

ألانك حكيت لي عن برنامجك المفضل.. فالتزمت الصمت و السكون ؟

ألأني لم أطلع على ماذا تدرسين ..و في ما تقضين أغلب وقتك..لكن مُدرستك الخاصة تقوم بالواجب؟

ليس بيدي يا سيراء .. بل ليس بعينيك يا علياء .. أما يديك فهما يقرأن طريقة برل إن أرادا.. و أذنيك يسمعان البرامج ويعرفان أحداثها و قلبك يعي تفاعلاتها ..

إذاً وفي ذلك اليوم بعد الشفاء.. قررت علياء المواجهة .. عادت الفتاة من مدرستها.. رمت حقيبتها بالقرب من الباب ودخلت إلى عرفة الجلوس .. ارتمت مستلقية على ظهرها أمام التلفزيون .. اقتربت أمها منها .. أمسكت بيد سيراء و سحبتها لتجلس مستقيمة الظهر.. استجابت البنت باستغراب وقليل من الخوف.. فهذا جديد جداً كما أنه غريب ومفاجئ.. تلمست الأم وجهه أبنتها .. تتساءل سيراء بداخل نفسها .. أذلك يعني أنها تهتم بي .. لكنه يعني أيضا أنها لا تراني!.. مررت الام يدها على شعر أبنتها .. وقالت: شعر ابنتي كذهب مسال على أمواج البحار و وجهها كالشمس المشرقة كل صباح .. أحست سيراء بالفرح يرقص في قلبها.. وتساءلت بداخل تلك النفس الصغيرة.. لكنك لا ترينه من أخبرك ؟ ..

فأجابت الأم بصوت مسموع وكأنها سمعت تساؤلها: أحسست بذلك يا سيراء .. أحسست بحزنك و غضبك ؟ ..عذراً لتقصيري يا حبيبتي ..عذراً لأني وقفت ساكنة وراء جدار عمى الألوان و الأضواء.. مع أن المشاعر تخترقه و نبرات الأصوات.. فلم أرى لمعان الشقاوة في عينيك عندما سمعت الحماسة في صوتك و لم أسعى لتغيير طريقي و لم أدخل من أبواب المعرفة و الحوار .. عذراً لأني سمحت لشيء ما بأن يبعدني عنك يا حبيبة قلبي..

سيراء ..أنت الأجمل و الأكثر نشاطاً و حيوية.. أنت تحبين الرسم والألوان .. لكن ليس بمقدار حبك للحن و الموسيقى ..ترغبين في مساعدة الناس و تتحرجين من ذلك في معظم الأحيان ..لأنهم لا يتوقعون منك ذلك! .. أو ربما يصدوك غضباً منك فابنتي مشاكسة .. حبيبتي أنا أراك .. ضمتها إلى صدرها أنا أشعر بك تماماً .. و سنعيش معاً .. قفزت قطرات الدمع من عيني سيراء إلى وجنتيها .. التصقت بحضن أمها بشوق .. أغمضت عينيها .. وطارت بعيداً مع أمها .. نعم إنها تري لون عيني أمها .. أنهما بنيتان كالأرض الخصبة ..وزرقاوان كالسماء الصافية .. وخضراوان مثل العشب اللامع بعد هطول المطر.. بل أنهما عسليتان مثل لون عيني ... أنهما أجمل لون عينين على الأطلاق.. و العجيب أن لا أحد يراهما ..

ملحوظة هامة :

الاسم مقتبس و ذلك جزء من الحالة لكني مع ذلك لم اقصد أحد و إن كانت الحالة سبب في إضاءة الفكرة و تدفق الكلمات .

سيراء من معانيه : الذهب الصافي الخالص

بقلم: أمل الحداد