تجولت في الطرقات بلا هدف وبدون أي وجهه عندما خرجت من المشفي وفي قلبي حزن يكاد يتفطره ،بكيت وبكيت حتي أُعميت عيناي تماماً من كثرة الدموع فجلست علي أول رصيف قابلته في طريقي ،آملاً في أن تهدأ ضربات قلبي ولعل ما يجول في عقلي ينتهي ، رفعت عيناي للسماء التي تُنذِر غيومها بهطول المطر مُتذكراّ تلك اللحظات التي قضيتها مع رفيق دربي فنزلت دمعه علي وجنتيّ كادت تحرقهما من حرارتها ،تذكرته عندما دخلي صاحبي إلي تلك الغرفه التي عُلقت فوق بابها لوحه كُتِبَ عليها "ثلاجه الموتي"فزدات دموعي هطولا وزداد معها الألم في قلبي ،لم أدري كم قضيت من الوقت وأنا جالساً في مكاني ولم أشعر بشئ إلا عندما وضع أحدهم يده علي كتفي فنظرت إليه فإذا هو كهلاً خطت التجاعيد علي وجهه فأصبح كالطرقات بها العديد من المعالم التي تدل علي عراقتها ،فقال بصوت واثق ما بك يا بني ؟ هونّ علي نفسك فالأمر بيد الله هو قادراً على كل شئ فنظرت إلي عينيه وقلت وكيف أهون علي نفسي ومن فقدته هو رفيقي

فقال بعدما أمسك يدي بيده الدافئتين :أليس رفيقك هذا عبداً من عِباد الله أليس ممن يعيشون تحت رعايته؟ أليس أمره بيد خالقه؟ فلماذا تحزن عليه وهو أحن منك عليه

فقلتُ حاشاه أن نقول عليه غير هذا لكن هُنا يؤلمني ووضعت يدي اليمني علي قلبي فقال الشيخ :ويؤلم الجميع أيضاً ليس من ألم الفقد فقط فالألم ألم وإن اختلفت أسبابه ثم أكمل حديثه قائلاً وهو يضع يده على قلبي ووجه ناظريه إليّ وقال في كل قلب ينبض يا بُني لا بد وجود ألم به ألم لا يعلم به سوي الله عزّ وجل صاحبه لا بد من وجود ذاك الألم الذي يعجز اللسان عن نطقه ويعجز العقل عن تشبيهه لا بد يا بني من وجود ألم يُنغص علينا فرحتنا

فقلت وأنا أضع يدي علي يده التي مازالت علي قلبي ومنّ يُهونّ علي ذاك القلب الذي فقد منّ كان يُهونّ عليه من يُربت علي هذا القلب الذي جُرِحَ بألم الفقد مرات عدة وكأن القدر يأبي أن تُتِم حياتنا مع من نحب قل لي يا شيخ كيف نجد من يُهَونّ علينا تلك الآلام التي لن تزول من القلب إلا عندما يتوقف عن نبضاته ،سحب الشيخ يده من علي قلبي وجال بعينيه في السماء وقال شارداً الأنسُ بالله ثم صمت لبرهه وقال نعم فأجل ما يُعوضَ به الأُنس بالله ..فأنس به وسيعوض قلبك الذي ذاق لوعة الفراق مرات ومرات ..قلت والألم يَعتصرُ قلبي :لكن من فقدته ياشيخ رفيق روحي الذي يفهمُ نفسي أكثر منها منّ فقدته يا شيخ كانّ الروح في روحي 

يا بني قُل الحمدلله التي لم تكن في ديني

يا بني هكذا هي الحياه تُصبح فاقد وتُمسي مفقود فهوّن علي قلبك ورضَ بقضائه لعلك تُرحم بصبرك علي ذاك الألم ..ثُمّ وضع ويده علي قلبي مره أخري وقال هونّ علي نفسك يا ولدي ودعِ لصاحبك فهو في أمس الحاجة لدعائك وارجو الله أن يُخفف علي ماألم بقلبك ...ثم رفع يده من علي قلبي ووضعها علي قلبه وقال وهو يُراقب غروب الشمس لعل الله يرحمنا ويُهون علي ما في قلوبنا ثم قام وشبّك يداه خلف ظهره وتقدم للأمام بخطوات بطيئه مُعلناً إنتهاء الحديث ..فقلت بصوتٍ متهدرج إلي أين يا شيخ ..فأدار رأسهُ وقال بعدما سقطت دمعه من عينيه فشل في إخفائها ،إلي رفيقه دربي التي جاء أجلها قبل أجلي إلي تلك الحبيبه التي لا أعلمُ كيف إنقضت تلك الأعوام بدونها إلي القبر الذي يحوي بداخله قطعه من قلبي فقد إنقضي إسبوع ولم أذهب لأروي الزرع الذي قد زرعته علي قبرها.