«أحيانًا نتمنى لو لم نأتِ إلى الدنيا، وأحيانًا نتمنى لو أننا نُخلد فيها».

يعيش الواحد منا حياته التي وجدها منذ ولادته، يعيشها بحلوها ومرها، تمضي به الأيام والأسابيع والشهور والسنوات، تمضي وهو يعلم أنها تُنْقِصُ من عمره لكنه لا يكترث، فالإنسان لا ينظر إلى مآل الأمور، وإنما ينظر أسفل قدميه.

لا تجدُ أحدًا إلا وهو يشكو وينوح، يتجلد ويتقوى حتى لا يبدو ضعيفًا أمام الناس، وحين يخلو بنفسه يتفتت قلبه، ومن الناس من لا يستطيع التجلد فيبكي غير مبالٍ بمن حوله؛ لا أحد في هذه الدنيا إلا وله نصيبه من الكدر والألم.

هكذا الدنيا، ترى من يضحكُ فرحًا ومسرورًا من خيرٍ اطمئنَ به، وترى غيره يبكي كمدًا لِكَلِمٍ أَلَمَ به، وهما في حيٍّ واحدٍ بل في منزل واحد وإن شئتَ قل: في طابق يفصل بينهما جدار أو باب خشبي، وإنك لترى مُصاب قومٍ لآخرينَ فوائد!

قد يأتي أحدهم المال الكثير ولا يقنع، وإن أتى إلى غيره شعر أنه يوم مولده، وقد يحصل المرء على لحمٍ قديدٍ ويشمئز، وغيره إن وجد خبزةً وماء كان يوم سعده!

أجلسُ مع أصدقائي فأرى حزنًا في الأعين ثقل على الشفاة النطق به كأن القلب قد غاص فيه إلى أن غرق!

أحرِّكُ عيني الناحية الأخرى لأرى صديقًا آخر تنبعث الفرحة والسرور من عينيه!

تغمرُ أحدهم السعادة فيتمنى توقف الزمن والخلود في الدنيا لما خُيِّلَ إليه متوهمًا بما يشعر غافلًا ناسيًا حقيقة الدنيا وأنها دنيئة لا أمان لها ولا فيها، وعلى الجانب الآخر يُبتلى المرءُ بابتلاء ضعيف لكن خُيِّلَ إليه متوهمًا أنه غير قادر على تحمل البلاء فيسخط ويتمنى لو لم يأتِ إلى الدنيا!

فلا بُدَّ أن يعي الفطن ذلك جيدًا، ليحيا حياته دون اعتراض أو تذمر، فهذه الدنيا وهكذا الحياة، وقد أحسن أبو العتاهية لمّا قال:

أرَى الدنيا لمَنْ هيَ في يديْهِ ••• عَذاباً كُلَّما كثُرتْ لديْه

تُهينُ المُكْرِمينَ لَها بِصُغْرٍ ••• وتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هَانتْ عَليهِ

إذا استَغنيتَ عن شيءٍ فدَعهُ ••• وخُذْ ما أنتَ مُحتاجٌ إليهِ.