كان يوماً مشهوداً، عندما دخل اثنا عشر رجلاً يثرب يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويعلنون اتّباعهم له، ومبايعتهم له. ليس هذا فحسب، بل لقد أرسل معهم محمد (صلى الله عليه وسلم) رجلاً يُدعى مصعب بن عُمير ليعلمهم الإسلام. أقبل أهل يثرب عليهم غاضبين مُتعجّبين من هؤلاء الذين تركوا دين آبائهم، وآمنوا بمحمد الذي لم يؤمن به قومه أنفسهم.

لكن مصعب بن عمير كان خير سفير لمحمد، فقد استطاع امتصاص غضب ودهشة أهل يثرب، بل استطاع أن يُقنعهم بالإسلام شيئاً فشيئاً. حتى استطاع إقناع اثنين من زعماء الأوس بالإسلام، وهما أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. ولم يبقَ داراً في يثرب إلا سمع بدعوة الإسلام. وكان على رأس المجيبين لهذه الدعوة أم عمارة وأبناؤها وزوجها غزية بن عمرو. واتفق الرجال الذين أسلموا من أهل يثرب على مقابلة محمد في موسم الحج في منطقة العقبة بمنى؛ ليعلنوا مبايعتهم له وإيمانهم بدعوته، واستعدادهم لنصرته، واستقباله في مدينتهم.

ولأن أم عمارة كانت امرأة قوية، فقد قررت الخروج مع زوجها إلى العقبة. وبذلك كانت إحدى امرأتين فقط خرجتا لبيعة العقبة الثانية. كان هذا الموقف القوي هو أول عهد أم عمارة بالإسلام. هذا العهد الذي كان مليئاً بالبطولة والفداء. وبعد تلك البيعة المباركة، انتقل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومسلمو مكة إلى يثرب - التي صار اسمها المدينة -، وتم تأسيس دولة الإسلام فيها.

وفي العام الثاني من الهجرة، خرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً؛ لاعتراض قافلة لقريش. ولم يكن في نيّتهم القتال إلا أن الله شاء أن يتقاتل المسلمون مع جيش المشركين، ويهزموهم هزيمة منكرة. وقد أُعجِبت أم عمارة بما حكاه له أخوها عبد الله – الذي كان في جيش المسلمين – من قصص البطولة التي سطرها المسلمون في هذه المعركة. فقررت أن تخرج مع الجيش في أقرب معركة مقبلة.

وأراد الله أن يخرج جيش المسلمين في العام التالي لمقابلة المشركين مرةً أخرى، فخرجت أم عمارة معهم مع أخويها وزوجها وأبنائها. وكانت تجلس في الخيمة خلف الجيش؛ لتداوي الجرحي، وتسقى الجنود. كانت في بداية المعركة تسمع من الجرحى أخبار انتصار الجيش على المشركين، فيطمئن قلبها. لكن فجأة انقلبت الأحوال، ووجدت المسلمين يتقهقرون للخلف فارين نحو المدينة. فالتقطت سيفاً من سيوف الجرحى، واندفعت نحو موقع الرسول (صلى الله عليه وسلم). فوجدته في بضع عشر رجلاً من المسلمين، منهم زوجها وابناها. فقاتلوا دون الرسول. وقد أُصيب ابنها عبد الله في عضده إصابة قوية، فكانت تشجّعه على استكمال القتال رغم إصابته. وقد أُصيبَت أم عمارة يومها بأحد عشر جرحاً، منهم جرحاً على عاتقها كاد يقلتها.

وبعد أن عاد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالجيش إلى المدينة. شاع أن أبا سفيان يتجهّز بجيشه للانقضاض على المدينة، والقضاء على دولة الإسلام. فنادى الرسول المسلمين للخروج إلى منطقة حمراء الأسد – بالقرب من المدينة – لمواجهة جيش المشركين. فتجهّزت أم عمارة للخروج معهم، لكن جروحها كانت ما زالت تنزف، فلم تستطع الخروج. وقد كفى الله المسلمين القتال ذلك اليوم، فعادوا إلى المدينة سالمين.

**************************************************

وجاء العام السادس من الهجرة ليشهد على بطولة أخرى من بطولات أم عمارة. فقد خرج الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع صحابته من المدينة قاصداً مكة؛ لأداء مناسك العُمرة، وطلب من صحابته ألا يأخذوا معهم أسلحة إلا السيوف في قُرُبها فقط؛ حتى يعلم أهل مكة أن المسلمين لم يأتوا لحرب. وبالطبع لم تفوّت أم عمارة هذه الفرصة، فخرجت بصحبة زوجها مع مَن خرج من الصحابة.

وعندما وصل المسلمون إلى الحديبية – وهو مكان بالقرب من مكة -، أرسلت إليهم قريش مَن يمنعهم من الدخول. فأرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عثمان بن عفَّان إلى مكة؛ ليتفاوض مع قريش. إلا أنه قد شاع أن قريشاً قتلت عثمان، فبايع الرسول (صلى الله عليه وسلم) صحابته على قتال قريش، وهي البيعة التي عُرِفت ببيعة الرضوان.

وعندما علمت قريش بأمر البيعة، خافوا من المسلمين، فأطلقوا سراح عثمان، وتفاوضوا مع الرسول على الصلح والهدنة، والذي عُرِف فيما بعد بصلح الحديبية. وهو الصلح الذي كان فتحاً عظيماً للإسلام والمسلمين، حتى أنزل الله فيه سورة الفتح أثناء عودة المسلمين للمدينة، والتي افتتحها الله (سبحانه وتعالى) بقوله: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا".

وقد كان من ضمن شروط الصلح أن يعود المسلمون لمكة لأداء العُمرة في العام التالي. فخرجت أم عمارة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومَن خرج من الصحابة في العام السابع للهجرة لأداء مناسك العُمرة، هذه العُمرة التي عُرِفت بعُمرة القضاء.

وتمر السنون، وتستمر أم عمارة وعائلتها في نصرة الإسلام. إلى أن جاء العام الحادي عشر من الهجرة ليشهد على بطولة جديدة بطلها أحد أبناء أم عمارة: حبيب بن زيد بن عاصم. وهو ما سنتحدث عنه في المقال القادم إن شاء الله. 

**************************************************

المصادر:

أخبار النساء في سير أعلام النبلاء للذهبي والشعبي

كتاب الطبقات الكبير لابن سعد

أم عمارة نسيبة بن كعب الصحابية المجاهدة لأمينة عمر الخراط