-يا أم حمزة، أسرعي في تحضير الغداء؛ فقد غلبني الجوع.

-ها أنا ذا قد انتهيت أخيراً من تحضير الغداء يا أبا حمزة. هناك من يطرق الباب، افتح سريعاً لعله جاء بخبرٍ عن ابننا الغالي.

يذهب جعفر ليفتح الباب، فيجد ابنه حمزة واقفاً أمامه مُنهَك القوى في كامل ثيابه العسكرية، فيحتضنه بقوة قائلاً:

-ولدي حبيبي، قد اشتقت إليك أيها البطل. يا أم حمزة، قد استجاب الله لدعائك، وردَّ ابننا إلينا سالماً.

تهرول فاطمة إلى ابنها، وتُلقي بنفسها بين ذراعيه باكيةً قائلةً: الحمد لله الذي قرَّ عيني بك يا ولدي؛ قد مزَّق القلق فؤادي.

-اشتقت إليكما كثيراً، الحمد لله أنكما بخيرٍ.

-حسناً يا فاطمة، أطلقي سراح الولد، يكاد يختنق بين ذراعيكِ.

يدخل ثلاثتهم إلى المنزل، ويلتفون حول مائدة الطعام. قال الابن:

-ما هذه الوليمة الرائعة! كأنكِ شعرتِ بقدومي يا أمي.

فقالت فاطمة: نعم، قلبي كان يحدثني دائماً أنك ستأتي بخير.

-أخبرني عن أحوالك يا أبي؟ كيف تقضي يومك؟

-على ما يُرام يا ولدي، أقضي النهار في دار الحكمة؛ كي أنهل من كافة كتب العلوم التي تزخر بها، فأنت تعرفني، أحب العلم. جزى الله الرشيد عنّا خيراً؛ فقد ملأ هذه الدار بنفائس الكتب في كافة المجالات، بل إنه أمر بترجمة الكتب من لغات الأمم الأخرى؛ لننتفع بعلمهم، وأمر بإنشاء أول مصنع ورق ببغداد لهذا الغرض. إنه يهتم بالعلوم والثقافة بشكلٍ كبيرٍ.

فقاطعته فاطمة: ليست العلوم والثقافة فقط، بل يهتم بكل شيء، لقد أضاء الشوارع بالقناديل فصرنا لا نخشى على أنفسنا ليلاً. واهتم أيضاً بالزراعة فأمر بحفر الترع، وإنشاء القناطر، وهذا ما جعلنا نستمتع بهذه الأنواع الطيبة من الطعام الطازج.

وأضاف جعفر: وأيضاً الصحة اهتم بها، فأمر ببناء مشفى الرشيد الذي ذهبت إليه الأسبوع الماضي، يضم أكبر الأطباء.

قال حمزة مذعوراً: لماذا ذهبت إلى المشفى يا أبي؟ هل حدث لك امرٌ؟

-أنا بخير يا ولدي، اطمئن! فقد شعرت ببعض التعب، لكنني الآن بخير الحمد لله.

-دعك منّا يا بُنيّ، وأخبرنا عن الحرب وما جرى فيها؟

-لقد كان الأمر عظيماً يا أبي، وكانت الأحداث متلاحقة، عندما تلقّى الخليفة هارون الرشيد خطاب نقفور- ملك الروم الجديد - يطلب منه رد أموال الجزية التي دفعتها لنا ملكتهم السابقة، بل يطالب الخليفة بدفع الجزية مستقبلاً، غضب الرشيد غضباً شديداً، وكتب على ظهر الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون الرشيد أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم. قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه لا ما تسمعه)، ووضع الجيش على أهبّة الاستعداد، وأمر بإرسال حملةٍ بقيادة أحد أبنائه لتأديبهم، وإطلاق سراح المسلمين الذين أخذهم نقفور أسرى على أطراف البلاد، لكن بلغ الرشيد أن نقفور لم يتّعظ من الحملة الأولى، فأمر بتجهيز جيش عظيم بقيادته شخصياً، فذهب إليهم وأدَّبهم تمام الأدب حتى طلب نقفور الصلح مُقابل دفع مبالغ طائلة من المال.

-الحمد لله الذي أظفرنا بهم يا ولدي، لكن ما لي أراك حزيناً! ألم ننتصر كما قلت!

-نعم، انتصرنا الحمد لله، إنني لا أخشى من الخارج؛ فقد أخضع الله لنا رقاب الأمم، بل أخشى من الداخل.

-الداخل! هل عاد الخوارج مرةً أخرى إلى ألاعيبهم القذرة!

-لا يا أبي، لقد أضعف الرشيد شوكة الخوارج تماماً من خلال حملاته المستمرة ضدهم، ولم يعد لهم قوة، لكنني أخشى من أمرٍ آخرٍ.

-لماذا تتكلم بالألغاز يا حمزة! ماذا حدث!

-الأمور تتصاعد في حاشية الرشيد، فمنذ إطاحته بالبرامكة، تصاعد غضب الفرس في بلاطه، وتسبب هذا في حذر العرب، وخوفهم من بطش الفرس، وكل فريق يتربّص بالآخر.

-حتى الآن لا أحد يعلم يقيناً سبب إطاحته بالبرامكة رغم أنهم كانوا أبرز معاونيه.

-ربما يكون هذا سبب إطاحته بهم، بسبب تغلغلهم في شئون البلاد، فخشى من نفوذهم.

قالت فاطمة: وربما يكون بسبب تقديم الرشيد لابنه محمد الأمين في ولاية العهد على ابنه الأكبر عبد الله المأمون، وكما تعرفان فالأمين أمه عربية، والمأمون أمه فارسية، ربما سبَّبَ هذا غضب البرامكة الفرس منه؛ لأنهم شعروا أن هذا تمهيد للإطاحة بهم.

-لا أحد يعرف الحقيقة، لكن المشكلة أن هذا الأمر سيرمي بظلاله على مستقبل الخلافة بعد وفاة الرشيد، أطال الله عمره، أخشى أن يشتعل الصراع بين الأمين والعرب من جهة، وبين المأمون والفرس من جهة، ويضيع كل ما بناه الرشيد.