خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود.

وإن سألوك عن العدل في بلاد المسلمين فقل لهم: مات عُمّر.

يا ابن الوليـد.. ألا سيـفٌ تؤجره؟ فكل أسيافنا قد أصبحـت خشـبا. (1)

هكذا تنطلق دائماً الكلمات من حناجرنا عند كل أزمة نمر بها، وما أكثر أزماتنا! كلمات تعبّر عن الشوق لهؤلاء الأبطال، والانتظار لبطلٍ قادمٍ يشبههم يأتي ليخلصنا مما نحن فيه. ودائماً ما يكون السؤال: متى يأتي البطل؟ لكني دائماً ما أسأل نفسي سؤالاً آخراً: كيف يأتي البطل؟

............................................................................................

رجلان يقارب عمرهما الخمسين يركبان على جملين ويقودهما رجل، يسير ثلاثتهم في صحراء قاحلة. هكذا كانت بداية الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، هذه الدولة التي ستمتد خلال الأعوام الخمسين التالية لتمتد من حدود الصين شرقاً حتى المحيط الأطلسي غرباً. فكيف حدث هذا الأمر! كيف أنشأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) دولته بعد أن خرج من مكة متخفياً! وكيف أقنع الرجال الأشداء بترك كل شيء واتّباعه!

-إنه الإيمان يا أخي.

هذا صحيح. الإيمان مهمٌ جداً. لكن هناك أمرٌ آخر لا يقل أهمية عنه، المنظومة. لقد صنع الرسول (صلى الله عليه وسلم) منظومة كاملةً قويةً، بدأها من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فأرسى بهذا قاعدةً هامةً وهي أن المسلمين إخوة وليسوا فصائل. بعد ذلك أمر ببناء المسجد وسط المدينة، وأمر ببناء المنازل حوله، وبذلك أرسى قاعدة هامة وهي أن المسجد هو مكان جامع للمسلمين لأمور دينهم ودنياهم؛ ليوضح أن الدين هو محور الحياة لا ينفصل عنها. وهكذا مضى الرسول (صلى الله عليه وسلم) يُرسي قواعد الدولة التي شكلت المنظومة التي أخرجت الصحابة الأبطال الذين حافظوا عليها فأخرجت من بعدهم التابعين وتابعي التابعين. هذه المنظومة هي التي ضمنت لهؤلاء الأبطال في بداياتهم الرعاية والاهتمام حتى غدوا أبطالاً وصاروا مسئولين عن إعداد جيل جديد يتسلم الراية منهم. وعندما ضعفت المنظومة ثم انهارت، وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

لقد كان صلاح الدين الأيوبي نتاجاً للمنظومة التي أسسها عماد الدين زنكي لمحاربة الصليبيين، ثم استلمها بعده ابنه نور الدين زنكي الذي أكمل مسيرة والده، فخرج من هذه المنظومة أبطال عظام مثل أسد الدين شيركوه وصولاً إلى صلاح الدين الذي يُعتبر باكورة هذه المنظومة واستطاع تحرير القدس. ونفس الأمر يمكنك ملاحظته مع جميع الأبطال مثل الممالك والعثمانيين وغيرهم.

-لكن هؤلاء انتصروا لأنهم أصحاب حق، والحق لابد أن ينتصر.

كم عمرك يا فتى! الحق سينتصر بالتأكيد يوم القيامة، أما في الدنيا فالغلبة للأكثر تنظيماً. وأبرز دليل على هذا ما حدث بين الإمام الحُسَين بن علي ويزيد بن معاوية. لقد كان الحُسَين على حقٍ، ولكنه لم ينتصر عسكرياً أوسياسياً؛ لأنه في مقابل المنظومة التي كان يعمل يزيد من خلالها، كان الأمر عند الحُسَين يعتمد أكثر على الارتجالية. وهو ما جعل الناس تنفض عنه رغم أنهم يعلمون أنه على حق. فلو أن الحُسَين بقى في المدينة وبنى لنفسه قاعدةً ومنظومةً، لربما تغيّرت الأمور حينها. الناس دائماً يميلون للأكثر تنظيماً حتى إن كان على باطل؛ لأنهم يرون أن المنظومة ستوفر لهم – على الأقل – الحد الأدنى من المعيشة. وهذا هو سبب انفضاض الناس عن الثورات العربية، فقد كان الأمر فيها عشوائياً تماماً، في مقابل منظومة الحكام العرب الراسخة.

والأمر لا يقتصر على السياسة فقط، بل يمتد لكل نواحي الحياة. فمنتخب قطر الفائز ببطولة الأمم الأسيوية الأخيرة هو نتاج منظومة تم الإعداد لها منذ عشرين عاماً باستقدام أشبال ورعايتهم وتدريبهم من أجل هذه اللحظة ومن أجل كأس العالم 2022 الذي لا تنوي قطر أن تكون مشاركتها فيه شرفية فقط. والأمر نفسه ينطبق على منتخب بلجيكا الذي بلغ دور قبل النهائي في كأس العالم الأخير في حين أن منتخبات عريقة قد ودعت البطولة من الأدوار المبكرة مثل ألمانيا والأرجنتين والبرازيل؛ لأنها افتقدت للمنظومة.

إننا لا نفتقد الآن للبطل، بل للمنظومة التي سيخرج من خلالها ليس بطلاً واحداً، بل أجيال من الأبطال.

-لكن هذا يحتاج لعملٍ كبيرٍ ووقتٍ طويلٍ. وربما لن نرى ثمرة عملنا من الأساس.

كلامك منطقي، لكن دعني أصحح لك شيئاً في كلامك، أنت – على الأغلب - لن ترَ ثمرة عملك، لكن سيجنيها أبناؤك وأحفادك. إن إنشاء هذه المنظومة يحتاج لعمل أجيالٍ متتاليةٍ، وليس جيلاً واحداً. قد يبدو الأمر مستحيلاً في البداية، أن تغيّر العالم، أو تصلح أحوال الأمة. لكن من قال لك أنك مُطالبٌ بهذا. أنت مطالبٌ بأن تضع حجراً في المنظومة؛ ليأتي من بعدك ويضع حجراً هو الآخر، وهكذا يكتمل البناء شيئاً فشيئاً.

-وما الحجر الذي يمكنني أن أضعه لبناء منظومة تُخرج أبطالاً لهذه الأمة! إني إنسان بسيط للغاية، ليست لدي أموالٌ طائلةٌ ولا نفوذٌ.

حسناً، هناك طريقتان للقيامِ بهذا الأمر:

الأول: أن تسعى للسلطة وعندما تملكها يصبح بإمكانك أن تُنشيء المنظومة.

الثاني: أن تضع الحجر فيما تملك. تعرفُ علماً، انشره بين الناس. تعرف لغةً، قم بتعريف الناطقين بها عن الإسلام وأهله. لديك موهبة مثل الكتابة أو الشعر أو التحدّث أمام الناس أو غيرها، سخّرها لخدمة هذه الفكرة. قم بنشر هذه الفكرة بين الناس بأبسط السُبُل، ولا تقلق فالخير مازال موجوداً فيهم وستجد من يُقبِل عليك. واهتم كثيراً بتعليم وتوعية الأطفال، فهم أبطال المستقبل... أو خيبته. وقد يسّرت التكنولوجيا هذه الأمور كثيراً. ليس مطلوباً منك أن تذهب لتحرير القدس كي تخدم الأمة، يكفي أن تُعلم طفلاً أو تُعين مُحتاجاً أو تبدأ مشروعاً أو تنشر وعيا. فلا تدري لعل أحدهم يأتي من بعدك ليُكمل ما بدأت ويضع حجراً على حجرك.

وللتيسير على نفسك، بإمكانك أن تُقسّم المنظومة الكبيرة إلى أمورٍ أصغر: عائلتك، عملك، أصدقائك، موهبتك. ابدأ بهم؛ حتى تشحذ همتك. وهذا هو الطبيعي أن تبدأ بالأقرب. فقد بدأ الرسول (صلى الله عليه وسلم) دعوته بالأقربين، ثم خرج إلى قريش، ثم إلى خارج قريش. وهذه أهم نقطة في المنظومة: التدرج. كلما كانت المنظومة في البداية صغيرة، كان بإمكانك إدارتها وتصحيح أخطائها.

-لكن هذا أمرٌ شاقٌ وطويلٌ، وخطيرٌ في بعض الأحيان.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". (2)

يعني: أن الإنسان يجب أن يسعي بنشاط ومثابرة حتى يبلغ مُبتغاه، وهو الجنة. 

............................................................................................

(1) بيت شعر لنزار قباني

(2) أخرجه الترمذي، (4/ 633)، رقم: (2450)، وصححه الألباني في السلسلة، رقم: (954).