تشتهر القاهرة بأنها مدينة الألف مئذنة، وهي جديرة بهذا الاسم؛ لكثرة مساجدها، وتنوّع تصميمها المعماري. ومن أشهر مساجد مصر هو مسجد السيدة نفيسة، الكائن في منطقة مصر القديمة. ورغم محبّة أهل مصر للسيدة نفيسة إلا أن أغلبهم للأسف لا يعرفون عنها الكثير. لذلك فقد أردت من خلال هذا المقال أن ألقي نظرة عن قرب عن هذه السيدة الكريمة، فمن تكون؟

هي السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب.

وأمها هي: السيدة زينب بنت الحسن المثنى بن الإمام الحسن.

وزوجها هو: إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحُسَين. ولم تتزوج غيره، وأنجبت له: القاسم وأم كلثوم.

وُلِدت بمكة عام 145 هجرياً، ثم انتقلت مع عائلتها إلى المدينة المنورة، فنشأت فيها. وقد كانت تقضي أغلب وقتها في العبادة في المسجد النبوي.

وفي عام 193 هجرياً، جاءت إلى مصر بصحبة زوجها وأبيها وأخيها يحيى وابنة أخيها زينب. وقد كان قدومها إلى مصر أمراً عظيماً، فخرج الناس في موكبٍ مهيبٍ يستقبلونها. وقد ازدحم الناس عليها؛ ليتعلموا منها أمور دينهم حتى أنها خافت أن يلهيها الناس عن عبادتها. لذلك فقد قررت الرجوع مرةً أخرى إلى المدينة. لكن عندما علم أهل مصر بذلك، ذهبوا إليها ليطلبوا منها عدم الرحيل. حتى أنهم قد خاطبوا والي مصر السري بن الحكم؛ لإقناعها بعدم الرحيل. فذهب إليها الوالي يسألها عن سبب رغبتها في الرحيل، فقالت: (إني امرأة ضعيفة، قد أكثروا عليَّ في الإتيان، وشغلوني عن عبادتي وجمع زادي لمعادي، ومكاني هذا لطيف (أي صغير)، وقد ضاق بهذا الجمع الكثيف).

فقال لها السري: (سأزيل عنكِ شكواكِ، أما ضيق المكان ، فإن لي داراً واسعةً بدرب السباع قد وهبتها لكِ، وأسألكِ أن تقبليها. وأما هذه الجموع الكثيفة، فسوف أجعل لهم معكِ يومين في الجمعة (أي الأسبوع) فقط، كي تتفرغي باقي الجمعة لعبادة ربك). فوافقته. واستمرت على إقامتها بمصر. فكان الناس يذهبون إليها؛ لطلب العلم. بل إنهم كانوا يشكون إليها أي ظلم يقع عليهم، فكانت قويّة في الحق، تقف في وجه الظالمين، وتطلب منهم رد الحقوق إلى أهلها.

وقد صادف وجودها في مصر، وجود الإمام الشافعي فيها أيضاً. فكان يزورها كثيراً ويقابلها من وراء حجاب؛ لطلب العلم. وعندما شعر بدنو أجله، زارها وطلب منها أن تدعو له وتصلي عليه. وقد نفذت وصيته، فعندما مات، وأثناء تشييعه، وقفت الجنازة أمام بيتها فصلت عليه.

وقد بقت في مصر زمناً طويلاً. وعندما شعرت بدنو أجلها، حفرت بنفسها قبرها في بيتها، وكانت تنزل تصلي فيه كثيراً.

ولم يدم مرضها كثيراً، ففي شهر رجب عام 208 هجرياً توفيت. وقد أراد زوجها نقل جثمانها إلى المدينة المنورة؛ ليدفنها بجانب أجدادها. لكن أهل مصر ألحوا عليه بدفنها في مصر، ولجأوا للوالي؛ حتى يُقنعه بدفنها عندهم. وبعد إلحاحٍ شديدٍ، نزل زوجها على طلبهم، ودفنها في قبرها الذي حفرته لنفسها. والذي يقع الآن في مسجد السيدة نفيسة بالقاهرة.

رَحِمَ الله السيدة نفيسة، وألحقنا بها على خير.

__________________________________

المصدر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون – المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.