اجلس..
سأحكي لك حكاية..

كما تعرف سابقًا بحكم صداقتي بك أنَّ طفولتي كانت في الريف، فقد وُلدت وتعلمتُ في القرية، وكنت كأي طفلٍ ريفي، أسرح في الغيطان والحقول، وألعب في الطين وأسبح في الترعة، كأي طفل عادي...

المهم أنَّ من عادات وتقاليد الأرياف هي انتشار الأساطير والحوادث الغامضة، ربما تكون قد سمعت عن بعضها مثل النداهة، والعفريت الذي يحرق بيتًا من البيوت كل يوم، كلها قصص سمعنا عنها جميعًا سواء في الكتب والروايات أو الأفلام العربية..

وفي قريتنا كانت الأسطورة فريدة من نوعها قليلًا، جرائم قتل وانتحار في نفس الوقت تحدث كل يومٍ أو يومين، بنفس الطريقة ونفس الأسلوب، كان أولها عند بيت (عم مطاوع) جارنا في القرية، بينما هو جالسٌ في بيته يشرب الشاي، إذ سمع صوت الباب يدق.. فيفتح ليجد شخصًا يعرفه جاءه ليشرب معه الشاي ويتحدثوا قليلًا، واستيقظنا في الصباح وجدنا ما لم يُتوقع.. (عم مطاوع) قتيلًا على الأرض يبدو أنَّه خُنِق بربطة عنق حمراء، وصديقه الزائر.. قتيلٌ هو الآخر بعلامات وجروح عند أسفل يده توحي بأنه انتحر..

عندما جاءت الشرطة سألت زوجة (عم مطاوع) عن ما حدث بالليلة السابقة.. قالت في حزن بالغ: "لا أعرف ما حدث بالضبط، فقد كنا نجلس أنا وزوجي وسمعنا صوت دق الباب في هذا الوقت المتأخر، كان (محسن) صديقين منذ زمن، وله حقل بجانب حقلنا، أتى إلينا من دون معاد سابق أو حتى مكالمة، كان وجهه شاردًا، خالٍ من أي تعابير... نظر إلى زوجي وابتسم ابتسامةً خفيفة بعد ما سأله عن سبب زيارته وقال: "أتيت لأشرب الشاي معك، ولفت انتباهي أنه كان يرتدي ربطة عنق حمراء، لفتت نظري بشدة لأنها كانت تحتوى على نقوش عجيبة ملفتة للنظر، ولأنه أيضًا كان يرتديها فوق الجلابية، كان منظره غريبًا على غير عادته... وما إن أمعنت النظر قليلًا في هذه الربطة حتى هجم النوم عليّ هجمة الأسد على فريسته، لم يكن باستطاعتي الاستيقاظ أكثر، فاستأذنت زوجي وذهبت إلى النوم وتركته مع ضيفه، ونمت في سبات عميق كأنني لم أنم منذ يوم ثلاثة أشهر، حتى استيقظت على صوت جرار ذراعي، ووجدتهم على هذا الحال!"

كان في ظاهر الأمر أنَّ الحادثة جريمة قتل عادية، لم نهتم كثيرًا بما قالته زوجة (عم مطاوع) عن ربطة العنق وشرود ذهن (محسن) صديقه.... اعتبرناها أضغاث أحلام أو آثار ما بعد الصدمة...

المهم... أتى بعض رجال يعملون في المشرحة لكي يضعوا الجثث في أكياس حتى ينقلوهما إلى المشرحة، ومن ثمَّ يبدأوا في التشريح حتى يحددوا السبب الدقيق لوفاة كل منهما.... ولكن عندما دخلوا إلى البيت ليأخذوا جثة (عم مطاوع) .... لم يجدوا رابطة العنق في رقبته!!

بحثوا عنه في كل مكان... يبدو تمامًا كأنها سُرقت، ولكن كيف وهي كانت مربوطة في رقبة (عم مطاوع) وكأنها جزء من جلده، والجثة لم تتحرك أصلًا...

بات موضوع هذه الحادثة عاديًا.. خصوصًا أن الشرطة أثبتت ما توقعناه.. (عم مطاوع) مات مقتولًا بربطة العنق.. وصديقه انتحر.... يبدو أنه كان هناك خلاف بين (عم مطاوع) وصديقه، حتى اشتد بينهما في الحوار حتى قام بقتله.. وانتحر هو الآخر لأنه لم يجد مفرًا للهروب، كان متوترًا وكان يعلم أنه سيُمسك على كل حال فانتحر...

أما عن سبب قتله بربطة عنق حمراء وعن سر اختفائها بعد الجريمة فكان هذا غامضًا...

انتهى موضوع (عم مطاوع) وأُغلقت القضية بعد عدة أيام من تحقيق بلا جدوى.... ونسوا أهل القرية هذه الحادثة... واعتبرناها نهاية الحكاية...

ولكنها لم تكن النهاية...
بل بدايةً لما هو أخطر!!

يتبع...

.............

(يُنشر الجزء الثاني يوم الثلاثاء إن شاء الله)

مقال جديد يوم الجمعة من كل أسبوع

مقال الجمعة الماضية: بيت الكتب2: التفكير الناقد للجيل الصاعد