مساء الخير..

من عدة أيام كنت أتصفح حسابي الخاص على فيسبوك في وقت الفراغ، فوقعت أمامي صورة جعلتني أتسائل كثيرًا، وأُفكر كثيرًا.. تبدو بسيطة جدًا ولكن بداخلها يحمل معانٍ كثيرة... فأحببت مشاركة هذه الخواطر معكم وعرضها عليكم.

في الصورة.. مجموعة من الناس يقفون بشكل دائري حول جسم غريب وجدوه، مربع أو مستطيل الشكل، لا يتحرك ولا يتكلم ولا يصدر أي أصوات، ولكنهم ما زالوا خائفين منه، يظن البعض أنه من مقتنيات فضائي جاء هنا من قبل، بينما أخذ الآخر ينقره بالعصا متأهبًا لأي رد فعل يحدث من هذا الجسم الغريب، وأخذ الآخر يبعد ابنه عنه حتى لا يصيبه أي مكروه من هذا الجسم الغريب، وأخذ الآخرون في التصوير... ولا يعلم أحد ما هذا؟!.... ولكن كلنا نعلم بالطبع... نعم.. إنه الكتاب يا صديقي!

وكأن الصورة تعطينا نظرة للمستقبل البعيد -أو القريب إن شئت- يوم تقدمت التكنولوجيا إلى أبعد حد يمكن أن نتوقعه، وصارت الهواتف في كل مكان، وربما قد انتشرت السيارات الطائرة، وظن الإنسان أنه ليس بحاجة إلى المعرفة، وأصبحت الهواتف أقرب إلى أيدينا من الهواء نفسه، وأصبح عدد الناس أكثر من ذي قبل، فبالطبع قد زاد الجهل، وبات الكتاب غريبًا... وكأنه جسم فضائي!

قد تكون هذه الأشياء التي وصفتها هي في المستقبل البعيد، ولكن يمكنك أن ترى دلائل هذا في عصرنا الحالي، اذهب إلى مكان عام.. مطعم مثلًا أو انتظر دورك في أحد البنوك أو في مصلحة حكومية أو حتى عند الحلاق، وبدلاً من تصفح الهاتف، جرب أن تقرأ كتابًا.. أي كتاب، قم انظر لردود أفعال الناس أو حتى تعبيرات وجوههم، بالطبع لن ينظروا إليك نظرات استحقار أو غضب، ولكن لا نستطيع أن ننكر أن تعبيرات وجوههم لا تخلو من أي اندهاش.

إنَّ القراءة في زمننا هذا يمكن أن نلخصها في نوعين: أما الأول فهو قراءة الكتب المدرسية وهو مكروه عند معظم الناس -إن لم يكن كل الناس- والنوع الثاني هو القراءة من باب التفاخر أمام الناس، حتى نكتب الاقتباسات على مواقع التواصل ونظهر في مظهر المثقف المفكر، ومن الصعب أن تجد من يقرأ للقراءة نفسها، لأن في القراءة حياة لمن أراد أن يحيا متعلمًا وليس جاهلًا، ولأنَّ في القراءة ونس لكل من يشعر بالوحدة، (الكتاب خير جليس) تعلمناها جميعًا في المدرسة، ولكن لم نتأملها جيدًا، دعك من كل هذا.... من الصعب أن تجد -إلا من رحم ربي- من يقرأ فقط من أجل الهدف الأساسي للقراءة.. وهو المعرفة.

حتى لا تسيئوا الظن بي، فأنا لستُ ضد تقدم التكنولوجيا، بالعكس... الإنترنت والتكنولوجيا قد قدَّموا مزايا كثيرة للناس عامةً، وللقُرّاء خاصةً، كمواقع مرجعات الكتب أو مواقع لقراءة المقالات (كرقيم مثلًا)، وقنوات اليوتيوب التي تراجع وتلخص الكتب المفيدة والهامة، والمتاجر الإلكترونية لشراء الكتب وتصلك إلى باب البيت، وبرامج البودكاست التي تساعد في التعمق لفهم موضوع معين قرأته في كتاب ما على أيدي متخصصين في هذا المجال... وغيره... وغيره..

وإنما فقط أردتُ أن أخبرك يا صديقي، أن تترك هاتفك، وتترك معه كل مشغولياتك وحياتك في العالم الرقمي، واغلق عليك غرفتك، وامسك كتابًا..... واقرأ!!

________

مقال جديد يوم الجمعة من كل أسبوع.

المقال السابق: وقال المتنبي..