مرحبًا..

ذات يومٍ كنت ألعب لعبة على الهاتف، لعبة سيارات بسيطة عبارة عن سباق بينك وبين سيارات أخرى تتحكم فيها اللعبة نفسها، ظللت فترة لا ألعب غير هذه اللعبة، أنا أصلًا لستُ من المهووسين بعالم الألعاب وأجهل الكثير فيه، فقط ألعب ألعابًا بسيطة بين الحين والآخر كنوع من تضييع الوقت أو كسر الملل أو أي شيء آخر يمكن إدخاله في هذا الباب..

المهم..

في ذلك اليوم الذي كنت ألعب فيه اللعبة لاحظت شيئًا ما، لقد أصبحت محترفًا في هذه اللعبة، محترفًا بحق، لقد اجتزت كل المستويات وأنهيتها كلها، اشتريت جميع الشخصيات ولعبت بهم، جربت كل الطرق وكل أنواع السباق، أي سباق أدخله دائمًا ما أنال المركز الأول بمنتهى السهولة، لدرجة أنني أحيانًا كنت ألعبها وأنا عقلي منشغل بشيء آخر، وكنت أترك أصابعي تتولى زمام الأمور..

تذكرت وقتها بداياتي في هذه اللعبة، فقد كان الفوز فيها صعبًا بالنسبة لي، لدرجة أنني ظللت عالقًا في مستوى من المستويات لا أستطيع تجاوزه، وبالتالي كنت لا أستطيع الولوج للمستوى الذي يليه، فكان لابد أن أفوز لكي يُفتح، وظللت حبيس هذا المستوى لمدة، ونفس ذاك المستوى الذي أحدثكم عنه أصبح من أكثر المستويات سهولة بالنسبة لي، عندما أعود للعب مرة أخرى يكون الأمر في سهولته أشبه بطرقعة الأصابع!

جلست يومها لأتأمل، كيف أتقنتُ هذه اللعبة؟ كبف استطعت الفوز بهذه السهولة كمعظم الألعاب التي لعبتها من قبل؟ في نفس الوقت الذي لا أستطيع فيه إتقان لغة جديدة أو تعلم مهارة معينة أو بناء عادة جديدة أو حتى الالتزام بالجدول اليومي.. دائمًا ما تكلل محاولاتي بالفشل.

ظللتُ أفكر أين المشكلة؟ بالتأكيد ليست المشكلة فيّ، فأنا مازلت نفس الشخص الذي يلعب أي لعبة ويفوز فيها بإصبعه الصغير، إذاً المشكلة في شيء آخر، المشكلة في الأسلوب الذي أتبعه عندما أخطط لإتقان أي شيء جديد، والذي أستغنى عن هذا الأسلوب بغير عمد عندما أتعلم لعبة جديدة، لأن نظام اللعبة يجبرك على اتباع أسلوب مخصص لها..

وعندما أمعنت التفكير جيدًا، وجدت أن هناك بعض العوامل نقابلها في معظم الألعاب، هذه العوامل هي التي تجعلنا نبقى وقتًا أطول، هي التي تجعلنا نظل في نفس المستوى ونأبى الخروج قبل اجتيازه، ربما إذا استطعنا أن نميز هذه العوامل فنستطيع استخدامها لصالحنا، ربما تحدث فرقًا إيجابيًا... ربما..

1-العالم!

معظم الألعاب إن لم يكن كلها يكون لديها عالمها الخاص، شوارع، مباني، شخصيات... هذه الأشياء تساهم بشكل كبير في الانغماس داخل اللعبة وكأنك جزء من هذا العالم، وهذا ما يجب أن نتعلمه، اصنع لنفسك عالمًا يساعدك على إتقان ما تنوي تعلمه، تتعلم لغة جديدة؟ صمم كل الأشياء حولك لتساعدك على هذه اللغة، اقرأ بها، تابع قنوات يوتيوب يتحدث صاحبها بهذه اللغة –حتى لو كان المحتوى ليس له أي علاقة بتعلم اللغة- تخيل نفسك في بلد يتحدث بتلك اللغة، وتحدث بها... انس تمامًا أنك "تتعلم" لغة ما، وفكر في كيف "تعيش" تلك اللغة، وكذلك دواليك مع باقي الأشياء.

2-ال"Score" أو النقاط.

معظم الألعاب تضعك داخل تحدي، إما تحديًا مع أشخاص حقيقين أو شخصيات وهمية تتحكم بها الخوارزميات ((NPC، أو تضعك في تحدٍ مع نفسك! ويكون الهدف المطلوب منك هو اجتياز ال"Score" الذي أحرزته من قبل...

وهذا شيء مهم جدًا يا صديقي، حاول دائمًا أن تكون في منافسة وتحدي، تخيل نفسك شخصية ما (Avatar) داخل لعبة، لديك هدف يجب أن تحطمه، هذا الهدف قد يكون إنجاز مهامك اليومية، أو المشي عدد خطوات أكثر من معدل البارحة.. إلخ، تذكر أن هناك بعض العوائق من شأنها أن تضعف قوتك، فعليك التأكد من كامل عافيتك بين الحين والآخر، احترس من الوحش الذي يطاردك، هذا الوحش قادرٌ على إضعاف همتك، قد يكون هذا الوحش هو التسويف متنكر لخداعك، حاول أن تهزمه بسيفك الذي حصلت عليه، تذكر هدفك ولا تتشتت عنه... لديك محاولات لا نهائية، ارتد درعك، وابدأ الآن..

3-المكافأة.

عندما نفوز في لعبة ما ونحقق الهدف المطلوب يأتي وقت المكافأة، يأتي مثلا على شكل مستوى جديد يُفتح لك، أو بعض العملات الوهمية التي تستخدمها لشراء بعض الأشياء داخل عالم اللعبة..وهذا العامل هو بالغ الأهمية ونغفله جميعًا في حق أنفسنا، فلا تكن قاسيًا على نفسك، لقد أنجزت كل مهام اليوم والتزمت بالجدول، تهانينا! كافئ نفسك بشيء تحبه، اخرج مع الأصدقاء، اصنع مشروبًا تحبه واعتبره نخب الانتصار.... لقد انتهيت من مشروع ظللت تعمل عليه لأسابيع وشهور، مبروك! تستحق مكافأة تليق بك يا بطل، خذ بعض الأيام راحة، اشتر شيئًا كنت تريد شراءه منذ مدة، سافر وروّح عن نفسك.. وهكذا..

طبعًا تختلف قيمة المكافأة باختلاف الهدف الذي كنت تعمل عليه، إذا كان هدفًا كبيرا فيستحق مكافأة قيمة، أما إذا كان صغيرًا فيستحق مكافأة بسيطة... والأمر يعود لك..

هذه الأشياء التي لاحظتها قدر استطاعتي، وبالمناسبة... لا أستحق جائزة على هذا الاكتشاف، فأنا لم أخترع الذرة كما يقولون، فهذه استراتيجية معروفة ولها مقالات وكتب، يسمونها "Gamification" أو "اللوعبة" وهو أن تحول كل ما حولك لما يشبه اللعبة، للتحفيز على الإنجاز وكسر الملل والتسويف، وإذا أردت شيئًا أكثر تفصيلًا عن هذه الاستراتيجية فأنصحك بمشاهدة هذا الفيديو الرائع لعلي محمد علي، سيساعدك كثيرًا لاستخدامها لمعظم جوانب حياتك..

وفي النهاية... سامحوني على الإطالة..

وإلى مقالٍ آخر إن شاء الله..