الرسالة الثانية

كيف حالك يا صاحبي ؟ ما بالك لم تراسلني عندما بعثتُ لك الرسالة الأولى ،ألم تقرأها ؟ ألم تصل إليك ؟ هل وصلت إليك الرسالة مبتلة بالماء ؟ ليس غريباً ، فالمسافة بيني وبينك لا يملأها محيط وبحر ، ولكن لا بأس ، ربما الرسالة الأولى تنتظر أختها الذي أكتبها لك الآن حتى يصلا إليك في آنٍ معاً.

المهم....

أعود بك الآن يا صديقي إلى بداياتنا ، عندما التقينا أول مرة ، كنت أنا وقتها جديد في المدرسة بل في البلدة كلها ، فقد كنت أنا وعائلتي نسكن في بلدة أخرى ، ثم جدَّ جديد في الأمور ، وقررنا أن ننتقل إلى بلد آخر ، وكنت أنا في الإعدادية ، وها أنا الآن ذاهبٌ إلى أول يوم في مدرستي الجديدة التي تقع في بلدتي الجديدة ..يا لها من غربة كانت تحوط بي!.

فظيعٌ هذا الشعور بالغربة ، أنت وحدك في مكان لا يعرفك أحد ، ولا يوجد أحد يهتم بك و يفرح لفرحك و يحزن لحزنك ، أنت الغريب بينهم ، لا تظن أنني في مدرستي القديمة كان يعرفني كل الناس ، فأنا طبيعتي الاعتزال ولا أحب الاختلاط بالناس كثيراً ، ولكن انعزالي السابق كان اختيارياً ، وأستطيع أن أغيُّره متى شئت ، أما عزلتي الجديدة فهي إجبارية ، وصار حتماً عليَّ قبولها والعيش معها شئت أم أبيت!.

كان هذا ما يدور في عقلي أول أسبوع في سكني الجديد ، واليوم الذي يمر عليَّ يؤكد صدق هذه النظرية ، فلقد صار لي أسبوعاً هنا ولم يسألني أحد ما اسمك؟! ، كان أسبوعاً ثقيلاً جداً ، فالناس رغم سخافتهم أحياناً ، فلهم منفعة كذلك ، فكما يقولون "المرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه" ، وكل النصوص الأدبية والشرعية تُحبذ على الصداقة ، فما أجمل أن يكون معك رفيقُ يشاركك همومك وأفراحك ، وتسيران معاً في الدنيا حتى تسيران معاً في الآخرة ، فالمرء يُحشر مع منْ أحب ، لذلك كان لابد أنَّ يكون أهم من الطريق اختيار الصديق نفسه ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنَّ "المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل" ، فالصداقة المعدية....

الشلة التي بها شخصٌ يُدخن لابد وأن تجد مُدخنٌ آخر بعدها حتى لو لم ينطق بشيء...

الشلة التي بها حافظ للقرآن لابد وأن تجد شخصٌ يحفظ بعدها جتى ولو لم ينطق بشيء...

الشلة التي يذهب أحدهم إلى المسجد لابد وأن تجد البقية قد ذهبوا معه وحتى ولو لم ينطق بشيء.....

هذه هي الصداقة ، لذلك كان مهماً جداً التحذير من صديق السوء لأنك ستكون مثله شئت أم أبيت ، والتشجيع على الصديق الصالح لأنك ستكون مثله شئت أم أبيْت!.

ولذلك يقول الشاعر عن اختيار الصداقة:

فلا تصحب أخا الجهل وإيَّاك وإيَّاه

فكم جاهل أردى حكيماً حين آخاه

يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه

وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه

وقال آخرٌ :

صَادِقْ صَدِيقاً صَادِقاً في صِدْقِهِ

فصدقُ الصداقة في صديقٍ صادقِ

وإذا أردت أن تعرف خلُق شخصٍ ما فسأل عن صاحبه ، فيقول الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

والأحاديث الشرعية كثيرة في هذا الباب ، لذلك كان أبي دائماً يوصيني باختيار الصديق ، والجودة خيرٌ من العدد.

فصديقٌ واحد يقودك إلى المسجد ، خير من ألف صديق لا يُصلي!

صديقٌ واحد يطلب معك العلم ويعينك عليه خيرٌ من ألف لا يُعينك على هذا !

وصديقٌ واحد يقرأ معك كتاباً خيرٌ من ألف!

.

أسترجع ذاكرتي الآن لكي أتذكر متى أُنشئت صداقتنا ، فكنت أنت نعم الصديق وخير الرفيق ، فكما أخبرتك أنني مازلت بلا أصدقاء في سكني الجديد وصار حتماً عليَّ تقبل العزلة ، استيقظت ذات يومٍ وذهبتُ إلى المدرسة ودخلتُ الفصل وكان يوماً عادياً جداً ليس به أي اختلافٍ عن سابقه ، إلى أن دخلتَ أنتَ مع المدرسة وقالت : رحبوا بكريم ..زميلكم الجديد!.

ذهبت إلى المقاعد وكان لا يوجد سوى مقعدٌ فراغ في الفصل كله سوى المقعد الذي بجواري ، فذهبت إليه ودار بيننا هذا الحوار :

- السلام عليكم ...هل تمانع إذا جلست بجانبك.

= وعليك السلام ...لا أبداً تفضل فالمقعد ليس ملكي وليس لي أي حق أن أمنعك من الجلوس فيه.

-شكراً ...أنا اسمي كريم ...ما اسمك ؟

=أنا خالد.

- اسمٌ جميل يا خالد ...إذا احتجت أي شيء من أدواتي طول جلوسنا معاً أخبرني وسأعطيه لك.

= على ما يبدو أنَّ والداك كانوا صادقين في اختيار اسمك.

-ماذا تقصد؟

-كانت العرب تؤمن أنَّ لكل امرئ من اسمه نصيب ومن الواضح أنَّك قد أخذت نصيبك من الكرم.

=ها ها ها ...هذا من جميل لطفك ، إن كنت كما تقول ، فليُديم الله هذه الصفة فينا وفيك.

-آمين.

=وأنت هل أخذت نصيبك بعد أم لا؟

-لا أظن ، فأنا اسمي خالد ، وبالتأكيد سأموت في يومٍ من الأيام ،سأجرب حظي في صفة أخرى.

=الخلود لا يكون فقط خلود الجسد ، بل يمكن أن يكون خلود الذكرى ، فلعلك تترك أثراً طيباً في غيرك يتذكرك به بعد أن تموت.

-لا يهم فأنا لستُ مهتماً هذا الاهتمام البالغ بالأسماء كما تعتقد ، هذا فقط قول قاله العرب ولعله صدق مع بعضهم.

-أتفق معك ،فالأسماء لا تحدد سلوك الشخص من غيره ، فرأس النفاق كان اسمه عبد الله بن سلول ، والصحابي الذي غسلته الملائكة كان اسمه حنظلة بن أبي عامر.

=صحيح ، تفكير الشخص وأفعاله هي التي تميزه عن الآخر.

وثم بعد ذلك رنَّ جرس الخروج ، وأخذ كل طالب حقيبته وذهبوا ، ورحبت بك وأخبرتني أننا سنصبح أصدقاء في يوم ما ، فابتسمت وقلت : إن شاء الله ...وذهبنا..

.

يبدو أنني استرسلت في الحديث حتى كبرت الرسالة ، لا يهم ، فكما أخبرتك سابقاً ، ما بيننا لا يكفيه مجلد ..

سأكتفي الآن بهذه الكلمات ونكمل في الرسالة القادمة إن شاء الله.

يتبع....

--------

الرسالة الأولي