أفكار مخيفة ترفرف بأجنحة سوداء في خيال العقل، تضرب الهواء بقوة لتحافظ على توازنها، تقترب أكثر فأكثر، ترى هدفها بوضوح، وتعلم جيداً متى تكون الضربة القاضية، والعقل مسكين في غفلته يتخبط في ذكرياته وماضيه، يتقلب في واقعه المأساوي، لا يدري أن للغفلة رائحة لفتت الأنظار إليه، وكان لأحدهم فريسة سهلة المنال، تحتاج القليل من الوقت وبعض التركيز.

يرى أن الصمت والسكون وحالة الجمود التي يعيشها نعيم لا يعرفون قيمته، وذلك الظل الذي تزداد رقعته يراه إمتياز خاص به فقط، وكأنه في سكرات خمر يهيم على نفسه، تناسى أن الوضع يشبه ما قبل العاصفة، لا يُبدي أي ردة فعل عن موقف أو حدث أو قول، وكأن أحدهم سحب منه هذا الشيء.

قد يبدوا عاجزاً عن الرد وأحياناً لم يدرك حقيقة الأمر، واللامبالاة على وجه تعبيراً للإجابة، لم يعد يهتم، لا يسعى لإقناع أحداً برأيه أو إعطاء المبررات لما يفعله، لقد أيقن أن الوضع لا يستحق عناء التفكير، فلتفهموا ما تريدون ولتفكروا كما تشاءون، فأنتم لم تصلوا بعد إلى ما وصلت إليه، لدي ظروفي الخاصة، ووضعي المختلف، لقد تخطت نظرتي عالمكم الردئ، ووضع لافته ليرحل الجميع ويحذر الباقون من الاقتراب.

يسمع ضرب الأجنحة للهواء ولا يبالي، إن الحياة مليئة بالأصوات الصاخبة، ولغفلته أصبح كفيفاً لا يرى ما يدور حوله، تتجمد أطرافه شيئاً فشيئاً، يفقد الإحساس بها ما يجعله يتناسى أمرها، يشعر بالخمول والكسل ولرغبته في ذلك فضّل عدم التحرك، يفهم ان الحصول على احساس تتوق إليه النفس دون بذل جهد لهو أفضل من الحصول على آخر بجهد، بمعنى أن كل ما هو مجاني وجب الحصول عليه وبكثرة بغض النظر عن الحاجة إليه أو منفعته من عدمه، وذلك أفضل شعار للكسالى.

يرى حياة أخرى وعالم آخر يذهب إليه، أرواح تحيا بلا أجساد، ذلك المكنون الداخلي الذي تجمعت فيه المشاعر والأحاسيس، والفكر الذي يخترق خلايا المخ، إنه المتخفي داخل الجسد، ذلك الرخو الذي يكمن في الصخور، والصدق الذي قل من الصدور، والحب الذي يسكن القلوب، أقوال تُسمع دون كلمات، وأفعال يشعر بها دون حراك، عالم يتميز بالهدوء والسكينة، لا يوجد فيه مصطلح القلق أو التوتر، لا يشعر فيه بثقل أو ألم في جسده، لا يحزن لا يبكي لا يجوع لا يتألم لا .. لا ... 

في واقعه يرى الأجساد أسماء تم قيدها في سجلات وكشوفات لها أرقام وتواريخ، كُتب عليها طرق تتوغل فيها وتسلكها، وأفراح وأحزان تصيبها، وأقوال وأفعال تؤديها، هكذا تعمل الأجساد في الدنيا.

لديه القناعة أنه في مأمن وأن الخطر بعيد كل البعد، كما أن الحديث عن هذا مضيعة للوقت لأنه في حكم المستحيل إليه، هكذا يطمئن نفسه، إنه المُسكنْ الذي يتناوله المريض دون أن يعلم بمرضه ويرى ما لا يرون، تلك هي أفكاره.

إن الأفكار السيئة إذا تسلطت على عقل هرب من الواقع لهي قادرة على تحقيق مبتغاها، إنها تربتها الخصبة، والهروب ضعف ينتهجه صاحبه بعيداً عن ظلم الحياة وقسوتها، إنها إحدى الحلول السيئة والسهلة.

يريد الخروج، يتمنى التحرر، مازال مُقيد في هذا الجسد، تحت هذا الاسم السخيف، وتلك الأرقام الجامدة التي تثبت انه هو، يرى كم هو وضيع ذلك الجسد له احتياجات ومطالب تجعله يتدنى، ويهبط إلى مراتب الحيوان، لا يعلم أي ارتقاء سوى التخلص من احتياجاته ومطالبه، عليه التخلص من هذا الجسد، ليرتقي إلى السماء !!

لن تظل الأجنحة السوداء تضرب الهواء طويلاً، حتماً ستقف، انها تقترب بحرص، يبدوا أن العقل قد تنبه أخيراً ولاحظ الظل الذي حجب الشمس عنه، كصغير يلهو بألعابه، يخوض معترك في عالمه، كان قد وضع القوانين بنفسه مسبقاً، وبينما يصنع المجد ويرتقي بعالمٍ هو سيده، يطارد الأشرار ويقضي عليهم، تأتيه الصفعة على وجهه، أن اخرج من عالمك ولتحضر في التو والحال، هكذا يسقط من قمة عالمه إلى قاع الحياه، فلن يبالي أحداً بعالم أنت سيده، وإنما يبالون بعالم أنت عبداً لهم.

هل في الإمكان أن تقرر التخلي عنهم، وأن تُسقط عنك أثقالك، وأن تبحث عن مكان تختبئ فيه، تحاول جاهداً أن تتوارى عن الجميع، تتمنى أن تشعر بقيمة نفسك، ستكتشف أن هناك طبقات من البؤس والأوجاع ترسبت عليها، لقد اختفى البريق عنها، عليك نزع الطبقات، ومن الصعب إزالة ترسيب سنوات في أيام، في هذه الأثناء راقبهم عن بُعد، سيكتشفون اختفاءك عند حاجتهم إليك، حينها ستكون اللعنات جاهزة بأن تُلقى عليك، إنها معلبة وجاهزة وسريعة التحضير، من أمثال ضعيف فقد إيمانه وربما فاشل وجبان لم يقوى على أمره، وقد يصل الأمر إلى حد الجنون، سيكون الحديث قائم على النتيجة مع تجاهل الأسباب، وفي الأخير لن يبالي أحد بك، ولن يعبأ الكون بأمرك.

إلى اولئك الذين أبدو لهم وغداً لا يستحق الحياة، وإلى من أبالي بأمرهم ولا يبالون، وإلى الذين تنكروا من سنوات صدقت معهم وكذبوا، وإلى من ارتقى إلى قمة الهرم، وإلى أولئك الذين سخروا من ملامحي، وإلى الشيطان الذي يقوم بدوره القبيح على الوجه الصحيح، وإلى الذي يراني حيث لا أراه، وإلى ذو منصب رأى عقلاً في نفسه لم يجده فيمن حوله، وإلى تلك الشهوة التي لا تهدأ، وإلى هذا الجسد المترهل، وإلى الذين أسعى لإرضائهم، وإلى الرغبة التي تآكلت تحت الضغوط، وإلى الأمل الذي صار أشلاء على قضبان الحياة، إليكم جميعاً يوماً ما سأخرج وتستريحون فصبراً جميل.

إن الرغبة والأمل هما الدافعان للاستمرار في تلك الحياة البائسة، ولهما القدرة على تحويل القبح إلى جمال، وإدراك الخير والبعد عن الشر، وإيجاد كوب والتركيز على نصفه الممتلئ، بينما يترك الانسان نفسه للفكر ويسمح بدخول الأصوات لعقله، ولا يتخذ موقف أو فعل تجاهها، ويترك الشيطان جالس على عاتقه ويظل يوسوس له ويُسهل عليه الأمر ويضع له المبررات، وما إن يكون على شفا حفرة حتى يقنعه بأن العسل في السم لا يدركه إلا المتميزون!! وأن في النار جنةً عليه أن يدخلها !! لا ينبغي عليك أن تعرف ماذا بعد ذلك ...

كلنا مسئول عن روح أودعها الله فينا وعلينا أن نشحنها لأنها تفرغ سريعاً بسبب استهلاكنا المتزايد لها، فلتكن عادةً للجميع وكلٌ حسب تركيبته، وخيرُ ما تُشحن به الروح هو الإيمان والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى فإليه يرجع الأمر كله، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ونعوذ به من شيطان يدفعنا إلى النار ونستغفره ونتوب إليه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.