ابحث دوماً هنا وهناك وأفتش في كل الأماكن والزوايا حتى أدراج خزانتي لم تسلم من البحث، عذرا فأنا لا أبحث عن أحد جراباتي التي دوماً تختفي ولا أدري أين تذهب، ولكني أبحث عن طريق أو ربما هدف أو شيء آخر لا أعرفه ولكني في حاجة شديدة إليه، لا تدعوني بالجنون، تبحث عن طريق في خزانتك!! قد أبدوا لك من الوهلة الأولى كذلك، لا تُصدر حكمك على فعل دون أن تعرف مقصده، حتى وإن رأيت شعر رأسي يقف منتصباً، فربما كانت تسريحة جديدة، أو أني قد أمسكت بأحد سلوك الكهرباء العارية، حتى وإن رأيت بنطالي تخلى عن خصري، قد تكون تلك هي موضة العصر، أو هي حرية بمفهوم خاطئ، وإن بدت لك كلماتي غير مفهومة لعل لساني أصابه الثقل أو أني أعاني تأتأة منذ الصغر، حقيقة أنا لا أعرف ما أبحث عنه، وأصعب ما في الأمر أن يشعر الأخرين بهذا المجهول الذي تبحث عنه، فيأتيك الهمز واللمز من القريب والبعيد.

لم يكن بحثي هذا من لا شيء أو من فراغ، إنه ينبع من منطلق أكون أو لا أكون، أحيا أو أموت، كثيرون مروا من هنا وقليل منهم كان له ثقلاً فترك أثر، والمعظم كان خفيفاً جداً لم تكن لخطواته أي أثر يُذكر، لهذا كان لابد من البحث، وها أنا في مفترق طرق تعددت واختلفت عن بعضها، ولكل طريق مدخل لا يتشابه مع غيره، أنظر إلى تلك الطرق والمداخل وأصاب بالحيرة والقلق أي الطرق سوف أسلك؟ وأي من هذه المداخل سوف أعبر؟ أي منها هو الطريق الصحيح؟ سمعت عن طريق ابتلع كل المارين عليه، وآخر مُظلم لا ترى فيه شيء ولم يكن الظلام أكثر مساوئه بل تلك الحفر التي لا تراها ولا تدركها إلا وأنت فيها، إنها الأيام التي لا تحفظ إلا السيء والأسوأ، كانت هذه تساؤلاتي التي تخاصمت مع أجوبتها، تمر الساعات والأيام والشهور وربما السنين وأنا مازلت في انتظار تصالح أجوبتي مع تساؤلاتي.

وفي عجزي عن إجراء التصالح أعود للوراء هكذا هو حال كل العاجزين العودة للخلف بحثاً عن نقطة أبدأ منها، لا أتذكر كيف وصلت إلى هنا ومن أتى بي إلى تلك الطرق المتقاطعة، نظرت إلى مستوى رأسي رأيت الكثيرون يعبرون، نعم إنهم كثيرون، يعبرون بثقة كبيرة أو ربما هذا ادعاء منهم، يبدو أنهم على علم بطريقهم، قد يملكون البوصلة التي ترشدهم، أو أن هناك من دلهم على الطريق، لماذا لا أملك بوصلة؟ ولماذا لم يدلني أحد على طريقي؟ قد أكون أخطأت عندما وصلت إلى هنا، لكني لا أذكر كيف وصلت، ماذا عن أيامي التي مضت، عسى أن أكون في فراشي، وتلك هواجسي التي تكرهني، فلماذا لا أصحوا، لماذا لا يأتي هذا الصوت الذي يخترق رأسك لتنتفض وتقف تتحسس مكان الألم، لماذا لا يسكب أحدهم دلو ماء بارد على رأسي، لقد زادت تساؤلاتي، كان من المفترض في عودتي للخلف أن تخف تساؤلاتي وأن أجد بعض من أجوبتي، ولكن هذا يزيد من شقائي، فلنرجع إلى مفترق الطرق لعل أحدهم يأخذ بيدي أو يوصي بي أحدهم أن يهتم بأمري .

رجعت إلى مفترق الطرق وأصبح المكان مزدحم والكل يتدافع، يذكرني بالزحف في محطة مترو والكل يتدافع للنجاة من هلاك المحطة التي سوف تسقط على الحاضرين بعد دقيقة، وهذا يدفعني والآخر يصدمني، وتأتي بعض الضربات من أسفل الحزام، ولا تنظر إلى حذائك لأنك قد تصاب بنوبة قلبية لأن لسانه خرج على أحد جانبيه معلناً وفاته، وهنا تأكدت أني لست على فراشي، وضاع أمل أن يكون هذا كابوسي اليومي، مازلت أعاني حيرتي، ترفض قدمي أن تتحرك، كأنها خرجت عن طوعي، قلبي مغلوب على أمره، هكذا هو دائماً ضعيف لا ينبغي الاعتماد عليه، يخزلني دائماً في كل وقت أحتاج إليه، أحياناً أشفق عليه، ودائماً أعنفه وأوبخه ما يدفعني لأن أتجاهله تماماً، وعقلي أصابته الحيرة كأنها حرارة مرتفعة جعلته يفقد توازنه، وغابت عنه كل نظرياته ومعتقداته، حتى خبراته التي كان يتكأ عليها تبخرت بسبب حرارته المرتفعة وأصبح لا يزيد خيبه عن قلبي.

لم تقف حيرتي عند هذا الحد ولكنها تحولت إلى صدمه حينما نظرت إلى الأسفل لأجد أضعاف المارة على الأرض تبدوا كأنها جثث أو أشلاء، الكل يمر عليها ولا يبالي على أي شيء يعبر، قد يكون هذا ثمن الحيرة أن تصبح أشلاء ويمضي عليك المارة، وقد يكون الجزاء أن تمضي أنت على أشلاء غيرك، أدركت أن الثمن مؤلم والجزاء أشد ألماً، وزادت حيرتي ومازلت أقف في مفترق الطرق.

في مفترق الطرق وأنا تحت غيام الحيرة يُنظر إلي المارة نظرة المنبوذ، تختلف من شخص لأخر لكنها تتفق في قسوتها وقبحها، كأني مصاب بمرض معدي، يحاولون بكل جهد أن لا يصطدموا بي، ولكن الزحام يُفشل كل جُهدهم، دعك من كل هؤلاء، إنهم لا يعرفونني وأنا لا أعرفهم، فليذهبوا جميعاً إلى الجحيم، أو تسقط عليهم السماء، في كل تلك الزحمة وهذه النظرات تأتي سهام مؤلمة من بعض الاتجاهات، مَنْ اولئك الذين يرموني بسهامهم، إنهم ماهرون في الرمي، ألقي نظري وأبحث عن اولئك المهرة لعلي أتفادى سهامهم، وأرى أحدهم إني أعرفه جيداً وكنت أبالي بأمره كثيراً، لكن متى تعلم أن يمسك القوس ويرمي السهام، ليس هذا هو السؤال المهم أيها العقل المخبول، يبدوا أن الفكر تبخر منه شيئاً مع ارتفاع حرارته، السؤال لماذا يفعل بي هذا؟ كنا نسير في درب واحد، وكانت له مشاعر طيبة في قلبي، تذكرت قلبي الذي كان يخذلني، ها هو اليوم كعادته يمارس هوايته الملعونة، يبدوا أنه كان في الدرب متسابق وليس صديق، هذا هو أقرب منطق إلى عقلي، ولا أدري أي منطق وأي عقل وأي صديق، وكم سأبقى هنا واقفاً.

إلى متى ستظل واقفاً هنا في مفترق الطرق، ألم ترى كم كانت خسارتك وأنت متصلب في مكانك، خسرت قلبك وكذلك عقلك، حتى قوتك خسرتها ورفضت قدماك التقدم، رأيت الكثير من الأشلاء والجثث الكل يسير عليها وبجوارها بدون مبالاة، ألم تدرك أن تلك الأشلاء لكثير وقفوا هنا في مفترق الطرق، نعم إنها الحقيقة التي يرفض عقلك المريض تقبلها، ولن يخبرك أحد بهذا، إن لم تسلك أحد هذه الطرق ستبقى هنا ولكن جثة هامدة وربما أشلاء متفرقة، وكذلك لن يأخذ أحد بيدك كما كان قلبك الضعيف يتمنى، ولن يأتي أحدهم ليوصي عليك أن اعتنوا بهذا ودلوه على الطريق الصحيح، وبعد كل هذا الزمن ألم تعرف كيف وصلت إلى هنا؟ ولا تدرك في أي مكان أنت؟ إن أعمالك هي من جاءت بك إلى هنا، وأنت في مفترق الطرق، إنك في وسط الطريق السريع، ستأتي السيارات وتلقي بك من واحدة لأخرى، أسرع يا عزيزي ولا تقف وأبحث عن شرارة إيمان في قلبك لتوقد بها إرادتك وتوكل على الله واسلك الطريق الأقرب ولا تبتعد كثيراً ولا تبالي بأحد سوى الله إنه هو الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.