كنت أفكر اليوم كيف أنّ الإنسان يقضي يومه في محاربة لزوجة بعض البشر الذين يلقاهم، منذ يخرج في الصباح وحتى يأوي إلى فراشه ليلًا. لستُ مِن أولئك الذين ينظرون إلى الناس من عَلٍ، ومِن ثَمّ يتأفّفون من الناس ومِن كل ما يأتونه أو يأتيهم منهم، بل أنا أبغض هذا الفعل، ولا أطيق مَن يرتكبونه على الإطلاق.


ولكن قل لي : كيف تشعرُ حين تركب وسيلةً عامةً للمواصلات فتكون الراكبةُ مِن أمامك شابةً لا تكف عن الحديث في الهاتف طوال الطريق، حديثًا طويلًا تافهًا لا فائدة منه، اللهم إلا إذكاءَ الصداع في رأسك، وإحماءَ الضجر الذي يتصاعد في داخلك، بعد نهاية يوم لطيف في العمل؟ ولو كان هذا وحدَه فقط إذن لهانَ الأمر، بل إلى جانبي أيضًا تركب امرأةٌ في منتصف عمرها، رفقةَ صندوق من الصيصان الحيّة التي لا تكف عن الصوصوة الجماعية المتصلة، بصورة تثقب الرأسَ ثَقبًا، وتذهب بكل ما يكون قد تَبقى في النفس من بعض السكينة أو الطمأنينة. ولولا بقيةٌ مِن عقل تمنع الإنسان من الحماقات لكنتُ قذفتُ الصندوق بما فيه من نافذة السيارة. فاللهم عونك وغفرانك!


في هذا الخضم لم أجد أمامي ملجأً إلا الكتابة، فأخرجتُ هاتفي، وفتحت تطبيق المدونات، وشرعت أكتب. بالأمس فقط كنت أفكر كيف أنّ القراءة والكتابة ليستا رفاهًا على الإطلاق، على الأقل عند بعض الناس. إنّ اللحظات التي يقضيها المرء كاتبًا أو قارئًا هي التي تمنحُه القوة ليتعاطى مع هذا العالم، هذا بعد إذن الله ولطفه وفضله ورحمته. وإنّني ما إن شرعت أكتبُ حتى ذهَلت كثيرًا عن أحاديث الشابة التافهة، وعن صيصان المرأة التي لم تكف لحظةً واحدةً عن صوصوتها الجماعية المستفزة. لكأنّ الكتابة هي صلاةٌ مِن نوع ما، تَهب الإنسانَ بعضًا مِن السكينة وكثيرًا من التأمل، يعطيانه في النهاية سلامًا نفسيًا أصبح عزيزًا جدًا في هذا العالم المتلاطم.


حين حاولتُ الكتابةَ حول شعوري متأمِّلًا فيه ظهرَ لي سببٌ خفيّ، ربّما كان سببًا إضافيًا في هذا الضجر الذي أخذ عليّ مجامعَ نفسي. كنت قد أنهيت صباحَ هذا اليوم رواية (حياة كاملة) للكاتب النمساوي روبرت زيتالر، وأنا في طريقي إلى العمل. ولم تكن روايةً سيئةً أبدًا، وهذا متوقعٌ من عمل وصل إلى قائمة البوكر القصيرة للعام ٢٠١٦. لكنها كانت سوداويةً بشكلٍ ما. إنّها من نوع الروايات التي تبحث عن المعاني القائمة في نفسك ثم تسعى في تحطيمها، محاوِلةً فرضَ حالةِ اللّامعنى على كل شيء. كانَ أَنْ تركتْ بصمتَها عليَّ هذا الصباح، فصبغَتْ شعوري بهذا الضجر، وتركتني خائر القوى أمام كل هذه اللزوجة التي يصطبغ بها العالم.


وليس هذا فحسب. أدركتُ أيضًا أنّني كنتُ في خِضم التحرُّر مِن وهمٍ ما، والتحرّرُ وإنْ كان فعلًا يُريح العقل فإنه يَثقُل على الروح، سيّما لو كان وهمًا أشبه بالحقيقة، وكان قد التصق بها زمانًا ليس بالقصير أبدًا. إنّ ثمن التحرر الباهظ هذا ندركُه جميعًا، حتى أنّنا كثيرًا ما نرضى بالبقاء أَسارَى أوهامنا تسومُنا سوءَ الألم، مُفضِّلين ذلك على تبعات التحرر، وإن كان مقابلها هو استعادةُ حرياتنا المسلوبة وراحةُ عقولنا المنهَكة.


ثم تسائلتُ : هل يمكن للإنسان أن يحيا في قوقعته الخاصة؟ هذا ما أفكر فيه طوال الوقت، بل ربّما هو ما أسعى إليه، وإن كان إيماني في إمكانه يتزعزعُ مع الزمن. لا مفر من التعاطي مع اللزوجات في النهاية يا صديقي. وقُصاراك أن تتقللَ من ذلك، لا أكثر. فقل لي أين البديل عن الاحتكاك بالبشر على كافة ألوانهم، ما نحبُّ منها وما نكره؟ وهذه هي الدنيا في نهاية الأمر، وليست الجنّة.