الأفعال، الأحداث، الأشخاص، الآرآء... كثيراً ما نحكم على أىٍ منها كونه صواباً أم خطأ، أبيضاً أم أسود، ولكن؛ هل فكرت يوماً فى خيارٍ ثالث؟ 

بالطبع هو غير ذلك، فالخيار الأصوب أنه صحيحٌ وخاطئٌ فى الآن نفسه، أبيضٌ وأسود، إنه الرمادى فى الحقيقة!

"رأيى صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأٌ يحتمل الصواب" الإمام الشافعى. 

فى اليونان القديمة، ظهر مجموعةٌ من الفلاسفة يُكنّون بـ"السفسطائيين"، كان هولاء الفلاسفة يؤمنون بنسبية الأشياء، الأشخاص والأفعال، أى رماديتها، فحُكمُنا على أى شئٍ فى هذه الدنيا ليس حُكماً مُجرداً، فهو متأثرٌ بحزمةٍ من أشياءٍ عدة، إنتماءاتنا الدينية والعرقية، اللغة، الثقافة، الخبرات والتجارب، أسلوب التربية، والعديد العديد من الأشياء الأخرى، إلى جانب ذلك؛ فنحن لسنا مُلِمِّينَ بشكلٍ كافٍ بكل الأحداث والوقائع والدوافع لكى نصف حُكمنا على موقفٍ ما أنه حُكمٌ مُجَرَّد، فنحن لا نعلم كَمَّ الأحداث التى سبقت الحدث الذى نحكم عليه، ولا نعلم الدوافع الداخلية أو الحالة النفسية التى كان عليها ذلك الشخص، ومن ثم فنحن لا نعلم سبب صدور ردة الفعل تلك دون سواها، وكما يقولون فى علوم الإجتماع كـقاعدة معرفية؛ فلكل ظاهرة سطحٌ وعُمق.

سيقول أحدهم: "أن الدين أنزَلَ أحكاماً تُنَفّذ كما هى، لا نقاش فيها" ، ونقول فى هذا الشأن أن أساس الدين كان بالتفكّر والتدبّر فى أحكامه وسبب نزولها، ومن ثم فإنه يوجد "عُلماءٌ للدين" وليس "حفظةً له" (بمعنى حفظ معانيه حرفياً والأخذ بسطحها دون عمقها)، وإذاً لما قال سيدنا على بن ابى طالب: "أنتم أعلم بأمور دُنياكم" ، ولما أوقف الفاروق حدّاً من حدود الله -ألا وهو السرقة- فى عام الرمادة!

ونقول فى هذا الشأن، أن علينا، فى الأمور كافة، الدينية منها والدنياوية، أن لا نأخذ بالسطح فقط، وأن نحاول فهم دوافع الغير قدر الإمكان، وأن لا تكون أحكامنا مجردةٌ على أحدهم فى مسائل الدنيا، أما فى مسائل الدين؛ فَتُترك لأهل علم الدين، لما لهم من علمٍ بكيفية ربط شؤون الدنيا بأحكام الدين