المعارك والحروب تلك التي تُخاض بشجاعة وقوة ويدافع فيها كلا من الجانبين عن وطنه وعِرضه ومبادئ تعني له كل شيء..

في الحقيقة معظم الحروب التي دارت على مر العصور لم تكن دائمًا لأجل هدف نبيل أو حتى لأجل قضية تستحق إزهاق الأرواح من أجلها، معظم الأسباب كانت سطحية ممزوجة بأنانية وغدر ولامبالاة بأي إنسان أخر.
ألم تسمع عن حرب البسوس التي دارت أربعين عام فقط لأجل ناقة! من أجل شربة ماء لناقة! فقط تحاربت القبيلتان وراح ضحيتها الكثير والكثير من الأرواح أكان السبب يستحق كل ذلك الموت والعيش في قلق ورعب بسبب تلك الحرب؟ لا؛ لا أعتقد أن السبب كان يستحق؛ إنما هو غرور الطرفين ولامبالاتهم بحياة الأخرين ماذا كان سيحدث لو لم تُقتل الناقة لأجل شربة الماء؟ فترة الحرب لم تكن بهينة راح ضحيتها أربعة أجيال لأجل سبب لا يُذكر! صُدقًا لا يذكر.
تلك كانت عن حروب الجاهلية وقت القبائل المتفرقة والتي ربما جرت العادة لديهم إقامة الحروب للهروب من الملل أو حتى فقط لاستعراض الشجاعة والقوة، هكذا كانت تعبر الشجاعة والقوة لديهم مع الأسف!
لكن ماذا عن حروب اليوم؟
الحروبُ الأهلية، فسادُ الحكامِ وجُورهم، وجود مستعمر بغيض، كل تلك الأسباب كافية لقلب حياة الانسان العادي رأسًا على عقب
تتعرض شعوب كاملة لمجاعات، تُزهق الأرواح في سبيل قطعة خبز، شَربة الماء تصبح سلعة غالية ليست في متناول الجميع، وكل هذا لِمَ!
أيًا تكن الأسباب فهي ليست كافية لتكون القلوب بلا رحمةٍ هكذا! كيف ينامون ليلًا بعدما قتلوا هذا الكم مِن الأطفال؟ كيف ينعمون بعيش حياة هنية وقد سلبوها من أطفال ونساء لا حول لهم ولا قوة؟، في الحروب تُمحى الإنسانية من قلوب الجميع، يتجردون من أشكالهم الآدمية، يصبحون حيوانات ويُكشرون عن أنيابهم بأبشع الطرق، يسلبون أرواح الأطفال يبثون في قلوبهم الرعب، ينتزعون النوم من أعينهم البريئة ويحشرون الكوابيس في أَسِّرتهم حشوًا..
الانسان العادي محدود الدخل لا يلتفت إطلاقًا لأسعار العملات المختلفة ناهيك عن قلقه إذا ارتفعت أو هبطت، لا تعنيه المفاعلات النووية والخطط الاستراتيجية والمعارك الاقتصادية؛ كل ما يهمه هو قوت يومه وتلبية حاجات أسرته، دنياه محدوده، مغلقة، دافئة كل ذلك يختفي تمامًا عندما تُغتصب أبسط حقوقه في عيش حياة سوية.
دخول الحروب والطغيان يُحيل حياتهم إلى سواد قاتم، ناهيك عن عدم توافر الطعام، لا يستطيعون النوم بأعين قريرة دون التفكير مائة مرة إن كانت عيونهم ستشهد الشروق المقبل، إن كانت أمهم ستتمكن من العودة إلى البيت وقد خرجت فقط لجلب الخبز! الذهاب إلى المدرسة أصبح معركةً مؤلمة فلا تعلم متى سيقع الانفجار المقبل ولمن ستكون الخساير لكنها بالتأكيد مَصاب الانسان العادي!
في تلك الظروف يتجهز الجميع لخبر وفاة أي فرد من الأسرة إن لم يكونوا جميعهم! حياة يملؤها الخوف خالية من الأحلام أو الطموح إلا إن كنت تعتقد أن تناول الطعام مع الأسرة ومرور يوم عادي حلم؟ لكنه بالنسبة لهم أبلغ الأحلام؛ أبلغ الأحلام أن تحصل على أبسط حقوقك! سحقًا لكل الأسباب التي تصل بالانسان إلى هذا الحال تلك الحال التي يكون أكبر ضحاياها الأطفال وأكثرهم معاناة فلم يشاهدوا من الحياة إلا الخراب، ومن البشر إلا القبح
وبعد كل القتلى والضحايا يجبرون بقايا أرواح وأجساد على الرحيل من منزلهم، وطنهم مصدر الأمان، الذي أصبح عبء على أبناءهم وعائلتهم أو ما تبقى منها! يجبرونهم على الرحيل من الموضع الوحيد المألوف لهم، نعم فالبيت لم يعد كما كان؛ إذ تَهدم إثر إنفجار أو تلون بدماء ساكنيه أو من كانوا كذلك! لا أحد يترك وطنه بكامل إرادته، كل لاجئ فقد عزيزًا وجزءًا كبيرًا من نفسه، فَقَدَ مالا يمكن استرجاعه وذهب فقط محاولةً في لملمة أشلائه الباقية
وللهروب من هكذا حياة إن صح قول أنها حياة! ترك الوطن الذي فقد أسمى معانيه وهو الأمان والذهاب للبحث عنه في بقاع الأرض
لكن أحقًا يجدون الاحترام والتقدير تحت سماء ليست بملكهم، أ يجدون الأمان من بعد ضياع أوطانهم واستنزافهم الأمل المتبقي؟
الإجابة لا تتعلق بهم؛ نعم لا تتعلق بهم فهم قوم لا حول لهم ولا قوة
الأمر متوقف على الشعوب التي تستقبلهم والتي بيدها استرجاع الطفولة المسروقة من أرواحهم، تلك الشعوب بيدها مشاركة أوطانهم والإيخاء معهم، بيدهم نجدتهم من الغرق والسمو جنبًا إلى جنب كتفًا إلى كتف
ومن هنا نُرجع للأطفال حقوقهم المسلوبة، ليحلموا من جديد ويبحروا في محيط الخيال بسفينة الأمل وشراع التفاؤل، ليندمجوا مع أبناء الوطن ليصبحوا هم أيضًا كذلك، فالوطن ليس بالضرورة مكان الولادة، بل هو حيث نكون سُعداء مطمئنين، نترعرع مرتاحين البال
وكل الفضل في ذلك ‏للشعوب المتآخية؛ التي سمحت بمشاركة حيواتهم لا فقط أوطانهم