وطن للإنسانية

فرح طفلة في السابعة من عمرها دوما تلعب مع جارتها غنوة ، فرح وغنوة يعيشان في بلد كبير به الكثير من الأجانب ، تذهب فرح للعب مع غنوة في حديقة منزلهم ، دوما تري مرح غنوة تتعامل بحدة مع الخادمة التي تتولي المساعدة في أمور المنزل ، فرح لا تعرف جنسية الخادمة ، ولكنها تتحدث العربية بصعوبة ، وتتحدث الإنجليزية ، وتعتمد ماريا والدة غنوة علي هذه الخادمة في كل شئ حتي في تعليم ابنتها الإنجليزية .

تشعر فرح أن غنوة وأسرتها يتعاملون مع من يقومون بمساعدتهم معاملة قاسية ، وعندما تتحدث فرح مع غنوة عن هذه القسوة في المعاملة ، تضحك غنوة وتخبرها أنهم أجانب جاءوا لخدمتنا نظير راتب ، لماذا إذا نعاملهم باللين والود ، هم ليسوا من أهل بلدنا .

أثارت طريقة غنوة هذه داخل فرح الكثير والكثير من الأسئلة ، ذهبت فرح إلي غرفة والدتها منيرة واستأذنت في الدخول ، وسألت فرح أمها إن كان لديها متسع من الوقت لأن تتحدث معها ، ابتسمت الأم وقبلت فرح ، وقالت لها علي الرحب والسعة يا جميلتي ، عن ماذا تودين أن تسألي ، قالت فرح ، أود يا أمي أن أسأل كيف علينا أن نعامل من يعملون عندنا ، قالت لها الأم بهدوء وبساطة ، علينا أن نعاملهم معاملة الإسلام والأخلاق ، ديننا يا صغيرتي وضع لنا أسس أخلاقية نظمت العلاقة بين البشر ، أساسها الرحمة واللين والسماحة ، علينا أن لا نضطهدهم ولا نثقل عليهم ولا نتجني عليهم ، لهم علينا حقوق .

حبيبتي المجتمع يدور في دائرة متكاملة الجميع بحاجة لبعض ، كلنا نكمل بعض ، تخيلي معي لو لم يأتي سائق باص المدرسة ، كيف ستذهبين ، ماذا لو غابت مشرفة الباص ، كيف سيكون حال المدارس دون المعلمين والمعلمات ، تخيلي مستششفي دون طبيب من سيعالجنا ، صيدلية دون صيدلي من سيصرف لنا الدواء ، ماذا لو اختفي عامل النظافة كيف سيكون حال الشوارع ، ماذا لو رحل العمال من الأسواق ممن سنشتري ، ماذا لو تعطل التكييف ولم نجد الفني كيف سنتحمل حرارة الجو ، كل هذه المهن وغيرها يعمل بها أجانب بجانب أهل البلد ، ماذا لو رحلوا لبلادهم كيف الحال ..............؟

باختصار يا صغيرتي الجميلة الكل يدور في دائرة متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أي فرد فيها ، لذلك ليس من المقبول من أحد أن يتعامل بتعالي أو قسوة مع شخص يساعدنا لاستمرار حياتنا بشكل أفضل ، نحن لسنا أفضل منه ، هو أيضا له وطن وأهل تركهم وجاء بلادنا لنستفيد من خبرته ويساعدنا بما لديه ، هزت فرح رأسها معربة عن فهمها لكلام الأم ، استكملت الأم حديثها وقالت يا فرح استعمال القسوة يعد اضطهادا وتنمر لا يقبله الدين والأخلاق ، حبيبتي طوال حياتك ستجدين أشخاص أقل منك علما ومالا ، غرباء عن بلدك لكنهم يمتلكون أشياء لا تملكيها ، عندما تذهبين لمدرستك ستجدين زملاء لك مختلفين عنك في لون البشرة .. شكل الشعر ، اللغة بل والدين أيضا ، ما حثك عليه دينك هو تقبل الآخر مهما كان لونه أو عرقة ، نحن نبحث عن إنسانية دون عنف دون عنصرية ، دون تنمر ، تلك الإنسانية التي نادي بها نبي الرحمة محمد صلي الله عليه وسلم ، الذي تقبل الجميع ، وهذا هو المسلك الذي يأمرنا به ديننا ، صغيرتي جنسيتك أو لونك أو حسبك ونسبك لا يمنحوك فضلا علي من حولك .

دوما تذكري هذه الكلمات كلما قابلتي من هم مختلفون عنك ، انظري لما لديهم وتعلمي منهم ، فكل شخص لديه مخزون من التميز ، تعلمي الأخلاق والرحمة من دينك ، فهم طريقك للإنسانية دون عنصرية .....دمتي في أمان الله وحفظه .

قالت فرح حقيقي يا أمي ما ذكرتيه ، وقد شاهدت ذلك بعيني ، وتذكرته عندما سمعت كلامك فقد كان لي في المدرسة العام الماضي زميلة إفريقية سمراء اللون وذات شعر مجعد متفوقة في اللغات وكذلك في الرياضة فهي تحصل علي ميداليات في السباحة وشهادات تقدير ، هي حقا متميزة وواثقة من نفسها ، حاولت بعض الطالبات التنمر بها ولكن دون جدوي فهي تثق في قدراتها وتجبر الجميع علي احترامها وتقدريها حتي من يرون أنفسهم أجمل منها ، كررت فرح الشكر لأمها لأنها نبهتها للكثير من الأشياء التي كانت غائبة عنها ، ووعدتها دوما بتقبل الآخر والتعامل مع الجميع برحمة وإنسانية ...............................