حين كانتْ الغــيومُ غاضــبةً والرياحُ تعلــنُ ثورةً ...
حين كانتْ دمعــة الغــربة تكاد تــنهمر من عيــونكَ...
حيــن كانتْ أمكَ تنتـظركَ في المطار لتغمركَ بدفء حضـنها ...
حين كانتْ بين يديهــا باقة وردٍ وكانتْ هي أجمل وردةٍ...
سألتْ نفــسكَ حيــنها "كيف لوردٍ أو يمسكَ وردًا ؟" ...
منذ أول لحــظة غاصتْ عيــونكَ بزرقاء عيــونهـا ...
فضعتَ بعدمــا كنتْ تظنُ أن الضياع هو البعد عن الوطن...
ها أنتَ ذا تعــود لداركَ  العتـيقةِ وتشعر بأن لا وطن لكَ غير زرقاء العيـون ..
ها أنت ذا تشــعر بذاك الشـعور الذي لم تشعر بهِ إلا لأمكَ ولأختكَ ...
لم تحبَ أحـدهم أو بالاحــرى لم تجد من ترمي بكَ نحـو الضياعِ...
ألم تترك الوطن لحب المغامــرة !...
لم تكن تعلم حيــنها بأن المغــامرة مـوجودة بكل مكان وزمان وبأي إنســان..
ها قد وجدتْ مغامرتكَ التي لن تجد لها مخرجًا ...
ستظل تضــيع وتضيع ، فتحب وتحب أكثر في كل يومٍ...
" تــائه " ،"ضائع " !...
هناك بالحقــول وسط حرارة الشمس وقت الحصــاد ...
رأيتهــا بعد تفــكير طــويلٍ ولمدة طــويلة ...
كــانتْ تضــحكُ ،تحرك نــسمات الهـواء خصلات شعرها المجعد الكســتنائي...
ومن جديد تســرح بخــيالكَ ،فتتذكــر تلك الطفلةٍ "طفـلة نبع الماء" ...
كانتْ دائمــًا حتـى في وقت هطـول المطر تتراشق هي واخواتها بماء النبع ...
ما زلتَ تذكرُها حين كانتْ تقول لكَ "هسام " بدلًا من "حسام " ...
كانتْ اسنان الحليب تسقط واحدًا تلو الاخر حتى أصبحت تنطق الكلمات بشكل مضحكٍ..
"حســام" اتاك ذاك الصوت ولأول مـرة منذ تركتَ القرية لا بل كل القارة لتكتشف البحار والجبال...
تنطق اسمك بشكلٍ صحيح "حســام " ...
تلك التي كانتْ برفقةِ أمي لإستــقبالي في المطــار ...
أتذكرتَ ثوبهــا الاسود المطرز بقليل من النقوش الملونةِ !...
حين استيقظتْ من شرودكَ كانتْ امامكَ تلوح لكَ بيديهـا...
دون وعيٍ منكَ هربتَ من عيـونها ،فقلتْ بصوتٍ اشبه للهمس ..
"أسـف " ،ما كان يجب عليكَ أن تحرجها أمام باقي فتيات القرية ...
ابتســـمتْ فأبتســمتَ لبسمتهـا ولعفـويتها المفرطــة ...
"لا يهم ، يا ابن العم " احمرتْ خديها ...
وذهبتْ في سبيــلها تفتش عن شيء ينسـيها ذاك المغترب...
وبلحــظة حين أخذتكَ قدماكَ لطريق العـودةٍ أتاكَ صوتها ...
"حســام " التفت للوراء "نعم هيام " ...
"هيــام " أسمهــا تلك التي اسرتهُ وجعلتهُ يضيع بوطنهِ...
"أليــس الوطن جميـل؟ ألا تعجبـكَ القــرية ؟" ...
نعم هي هيــام الفــضولية التي تعشق تراب الوطن ...
هي من أنشدتْ نشــيدًا وطنيًا ،تتغزل بوطنها وبغصن الزيتـون...
"هيــام "من كانتْ لا تخلف الوعــود وما زالت كذلك....
أحببتهــا لنقاء السماء بعيــونها ولصفاء البياض في قلبهــا ...
وفي عتمــة الســواد في ثوبهــا ، ولجمال اخلاقها في معاملاتها...
"وما لي كلمَ ظننتُ بأني سأستقر أضيع من جديد ! "...
قلتهــا وأنت ما تزال تنظر للأرض وهي تنظر للسماء ...
"ألـيس للقريب حق ،أتخلف الوعد وأنت من وعد! " ...
وصمتٌ ساد المكــان ،لتقول هي من جديد...
" وسماءنا صافية ،جبالنا شاسعة ،وحقولنا واسعـة، وانعمنا الله بنعمةٍ كثيرة ،ألا يكفيكَ؟ " ...
"هذا وطنٌ أنا تخليتُ عنهُ ولكن ما كنتُ أعلم بأن لي ضياعٌ جديد بهِ " ...
"ضعتَ لأنكَ لم تستقرَ يومًا ، لا بالغربة ولا بالوطن ،لن تستقر إلا حين تشعر بلذة التعرف على وطنكَ" ..
"وطــني لم يعد أرضًا ،فأرضي محميـة ،أما ذاك الوطن رأيتهُ وعانقتهُ عيناي وما زلتُ غير قادرًا على الاعتراف به "...
ضحكتْ حيـــنها جميلة العيـون فما كان منكَ إلا أن تناظرهـا ،فتهرب بعيـونكَ حين تتلاقى صدفةً بعيــونها ...
" لستَ مطرًا للإعتراف ،فالقدر سيربطكـما على أي حــال " ...

إذ  كان ذاك حبٌ وللحلال نهــاية ، سيوفق الله بينكــما ،وسيربط بينكــما رباط الحـب المتيــن فيبعد الشجن والشجار والبكاء والدمــوع من حياتكمــا...

بقلم :وردة تــناثر عبيــــرها💛🦋.