وبعد نقــاش وحوارٍ بيني وبين نفــسي دام أكثــر من سبعــة عشر عامًا ...

ها أنـا أتعــرف على نفــسي واعلم ميزاتهـا ،وحســناتهـا . أتعــرف على إنســانةٍ بعمر الورد ولكن قلــبها كهلٌ ،وكأن هذا الروح ليس لهذا الجســد ،لا تــلائمه وليست متناسقة معه كإيقاع الموسيــقى .

أنــا لســتُ كاتبــة تمسكُ قلمــها فتــفيض مشــاعرًا ، أنا قارئـــة تستشـعر كل كلمة كتبها كاتبٌ وهو يبكــي بولعةٍ .

لستُ شخصًا يحبُ كــتابة أمرٍ تافه ،ولكنني أحب كتــابة أمر بســـيط أثر على المدى البعــيد بحيــاتي ، لن أقول أنني لم أبكي يومًا ! ولن أقول بأنني كلمَ حزنتُ أسجدُ لله !

أنــا لم أصبح شخصًا واعيًا من الفــناء وفجأة ، أنــا أخطأت كثــيرًا لدرجة أنني لا استطيع أحصاء اخطائي وزلاتي ، لن أقدس نفـسي فيــكفــيني أني رضــيتُ بنــفسي كما هي بلا تــزوير أو تــزييف .

نعــم كأي شخصٍ حــزين كلمَ كادتْ دمعتي أن تســقط التجأ لصــديق ،لأخ ،أو لأي إنســانٍ لأبكـي في حضنهِ ، لأشكي له همــي فلا يســاعدني بشــيء ، غير الايماء برأسه "بلا حولٍ أو قوةٍ " .

كنتُ أرى جميــع من حــولي يحبــون بعضــهم ،يهدون بعضهم البعض هدايا في أعياد مـيلادهم إلا أنا ،كنت اطالعهم بتمنــي "يا ليتني مكانهــا أو مكانه  ! " لم أحب نفــسي الطمــاعـة والجـشعــة ،كلمَ رأتْ شيءً جميلًا تمنتهُ، أنا لم أحب نفــسي إلى بعدما رضيتُ بقــسمتي من كل شيء ، من الحب ،من المال ،من الثـقة ،من العبادة، .... .

أصبحتُ أكثـر حبًا لذاتـي حين تمســكتُ بالعــبادة ،ما عدتُ اشــكي همي إلا لله عز وجــل ،نعم أكتم غيضي وأمشي بدربي دون أن أشكـو أو أعاتب أو أذم ، أصمتُ للحظات أو لساعات ريثمـا أصل المنــزل فأتجه لسجـادة الــصلاة بعد الوضــوء ،كم أحببتُ شعــور الطهــارة ،أن تــرى نفـسك طاهـرًا ونــظيفًا من الاوســاخ ومن الحقد والســوء ، فلا يمسك الــسوء ما دمتُ تعبد خالقك خير عبادة ، لن يســتطيع المرء بناء حيــاة هنــيئة إلا إذ وضع التزامه الديني أولوية ضرورية مهمـة ، لا يجب التخلــي عنهــا لأي ظــرف سخـيف ،يجب على المرء أن يــتشبث بالحبــل الذي يوصل بينه وبين خالــقه الذي أبدع تــصويره ، وجعله جميل الـروح .

أصبحتُ الان أدقق النــظر في مواعيــدي ،مــوعد الخـروج والعـودة ،ومواعيــد مختلــفة ، كالذهاب للمكتــبة لما يقارب ساعتيــن لقرأت كتاب ما أو لكتــابة خاطــرة ،فبذاك المـكان يلهمــني كل شيء ،رفوف الكتــب والروايات ،والنــاس الجـالسة الذي تمسك كتــابها وتقرأ بتمعنٍ كأنها تبحث عن إجابة لسـؤال يحـيرهم . و من الممكن أن يــلهمني شخص يسرح بخيــالهِ ،يظل يفــتش عن أمرٍ مـا أو فكــرة ما ،فحين يجدهـا يضحك بصــوت عالي "كأنه حل قــضية معـقدة "، أو مــواعيــد المــشروع الذي اهتم به ، قد لا يصــدقني افراد المشــروع حين سأخبرهم بأنني كنتُ أقضي الساعات الــطويلــة واسهر الليالي من أجل كتابة دســتور ، من أجل أن انــظم المشــروع ،ومن أجل تجميع الفعالــيات ،أعلم قد يــظنون بأنني أكذب وبأنني أقول ما أقوله لأجذب الانتــباه .

ما عاد جذب الانتــباه يهمنــي ،صحيح أنــني كنتُ أحب لفتْ الجميــع إلــي ، لطــريقة لــبسي ،ولوقوفي أمامهــم والتكلــم ، لغـناء أغنـية المشــروع ،ولفعل حــركاتهــا ، أو لاندماجي مع جميعهم ، أما الان ما يهمني هـو ثقي بنــفسي ! وبكل ما بحيـاتي ،و الوثــوق بأن بعد الجهد والتعب هناك ما سيــسرني وسيــنسـيني كل المجهــود الـذي بذلتهُ .

بدأت أشعــر بأنني حيــويــة وبأنني إنســانة جيـدة ! وبأن افكــاري وافعالي ستــثمر إلى أن يــصبح الخيــر مــزروعًا في قــلوب من أمر بحيــاتهم ودروبهم حتى ولو كنــتُ مجرد عابرة سبيـل ، ورغم أنهم يشــككون بعفــويــة وبتــفاهمــي ويحســبونه مــزيفًا ،إلى أنني لا أعير ذاك أي أهتمــامًا ، حتى أنني قبل أن اتعرف إليهم أو حتى أكلمهم كنتُ كلمَ مررتُ بأي درب أبتسـم للجميع دون استثناء .

استطيع القول الان بأني أكبــر ،وبأنني أرى العــالم الان من منـظور أخــر ،أستطيــع أن أحب من قلبي وبأن أعطي أثمن ما عندي إذ مالكني شعـور الرضى ، "أن ارضى بنفسـي ،وأن أحب ذاتي ،أن أحب وضعي ،وأن أحب ما انا عليــه " لم أعد أهتم  بالمال والمــظاهر لأنني  بالحقــيقة أمتلك أشياء لا تقارن بمال الدنيــا ،أمتلك عائــلة وأخ وأب وصديق ،أمتلك منزلًا يأويني ، أمتلكُ حب العائلة وحب الأصدقاء ، وأهم شيء بأنني أمتلك الان رضاي بنفســي ،وامتلكُ ســجادة للــصلاة ، سأتابع المضــي بحياتي ،حتى ولو تعثرتْ سأجد ما اتكأ عليه لأقف بإستــقامة .

منذ الامس وقلمــي يكتب عن واقعـي الجميــل ويحــاول مداعبـة مشاعري ، لأقف لأصمد لأتحمل لأصـبر ولأصبح أفــضل ، فقط أريد نفـسي كما هي دون أن ابتكر جانبًا يجعلـني أشعر بالغربة وسط وطنـي .

شكــرا لكلِ من سمح لــعابرة الــسبيل أن تمر بدربهِ ،لعــلها فــرشتهُ بـورودٍ من الفل واليــاسمــين وأبعدتكَ عن الشــوك والالم والجـروحِ ، فكفاك حزانًا هــيا ارســم بســمة .

بقــلم :خديجة .

بقلــــم :وردة تنـــاثر عبيـــرها