في هذا الكتاب يؤكد المؤلف على أن تطبيق الشريعة الإسلامية في حياتنا هو الخلاص من الانهيار الاقتصادي، وانتشار الفساد، وتدني الأخلاق، مُستشهداً ببعض احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تؤيد وجهة نظره، وهي بإيجاز كما يلي:

أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر"

وهذا الحديث الشريف يبرز قيمة العمل على أنه الطريق الوحيد للآخرة وأنه ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة، وطريق للدنيا اسمه العمل، إنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة، وأيضاً لا يأس مع الحياة فالعمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة، فعلينا الجهد وحده دون النظر إلى ثمرة هذا الجهد، وعلى الله وحده تمام النجاح.

ثانياً: قوله صلى الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة على كل مسلم"

فبما أن العلم نور يهدي به الله الناس في مسالك الأرض فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم "فريضة" فهذه الكلمة تحمل ثلاثة معاني في قلوب المؤمنين وهم:

أ) أنها واجب على الإنسان أن يؤديه فلا يجوز أن تشغله عنه المشاغل أو تقعده عنه العقبات.

ب) أنها واجب يؤديه الإنسان إلى الله ويتعبد به إليه ومن ثم فهو يؤديه بأمانه ونظافة واخلاص.

ت) أنها عمل يقرب العبد إلى الله فكلما قام الإنسان بها ازداد إيماناً وتعلقاً بالله والشكر على عطاياه.

ولما كانت هذه المعاني في نفوس المسلمون واصبحوا يأخذون العلم على أنه فريضة تصل الأرض بالسماء وتصل العمل بالعقيدة وتصل المعرفة بالله، لذلك أصبحت لديهم القوة الهائلة التي ضربت ميادين العقيدة والحرب والسياسة والمعرفة.

وبجانب الصدق والإخلاص في علم المسلمين فإنه يقربهم إلى الله ولم يستخدموه قط في الشر أو الإيذاء على خلاف ما توصل إليه الغرب من شر وإيذاء من علومهم، فعندما سقطت شعلة المعرفة من أيدي المسلمين بسبب انشغالهم بالفتن واللذائذ، أخذتها أوربا ولكنها لم تكن تسير في طريق الله فسار معهم الشيطان ليصبح العلم لديهم أداة كفر ويبعد الإنسان عن الله.

ثالثاً: قوله صلى الله عليه وسلم "ياأيها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم".

ليس المعروف أو المنكر شيئاً محدوداً فكل شأن من شئون الناس، كبر أو صغر، يمكن أن يجرى بالمعروف أو المنكر ويجب على الإنسان مراعاة هذه الشئون كلها والتأكد من جريها بالمعروف وبعدها عن المنكر وإلا فالنتيجة هي الفساد.

فحين يؤدي كل إنسان واجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله لا يجرؤ الباطل أن يعيش، ولا يجرؤ المنكر أن يستأنس. ويظل الحق هو القوة الغالبة الفعالة التي تسيطر على الأمور، وحينما ينام الناس عن هذا الواجب فالشر يغري ويهيج ويسيطر على الحياة.

المسلمون الأوائل كانوا خير أمة اخرجت للناس فكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فقد كانوا أمة قوية ومتينة البناء والأساس واستطاعت أن تكافح كل قوى الشر والفساد، وعندما كفوا عن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف صاروا فتاتاً متهاوياً تلتقمه قوى الشر من الداخل والخارج على السواء.

وطريق النصر واضح فالله سبحانه وتعالى قد اختار الإنسان كأداة منفذة له في الأرض حين يستقيم إلى الله ويهتدي إليه ويعمل من أجله ويحبه ويخشاه، فمن أراد النصر ومن أراد أن يدعو الله فيجيبه ويسأله فيعطيه فليكن حيث يريده الله.

رابعاً: قوله صلى الله عليه وسلم "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله".

إن الأشياء الموجودة في الكون لا يعرف الإنسان "ذاتها". لا يعرف جوهرها. وإنما يعرف شيئاً من صفاتها ومظاهرها مهما بلغ من العلم والمعرفة، إلا أن التفكير فيها هو السبيل في معرفة قدرة وعظمة الخالق، وقد ذكر القرآن العديد من الآيات التي توضح ذلك وقد قال الله تعالى "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". فما يتدبر الإنسان هذه الآيات بوعي يقظ وقلب متفتح إلا هدته من فورها إلى الله خالق الكون والحياة. ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. إن الله لم يكلف الناس أن يبحثوا في ذاته سبحانه.

وحين نهى الرسول الكريم أتباعه عن أن يفكروا في ذات الله كيلا يهلكوا، لم يكن صلى الله عليه وسلم "يحجر" على تفكيرهم أو يضع عليه القيود. كلا ! إنما كان يوفر جهدهم للنافع من الأعمال وكان يصون هذا الجهد من أن يتبدد سدى، ويؤدي إلى الضلال. كان يريد للناس أن ينفقوا طاقتهم. بعد أن يقضوا حظهم من تدبر آيات الله في الكون والاهتداء إليه في تعمير الأرض وزيادة الإنتاج الروحي والفكري والمادي في ميادين العقيدة والجهاد والعمل.

خامساً: قوله صلى الله عليه وسلم "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

إنه لخير لك أن ترى الله كما يراك.. خير لك أن تتوجه إلى حيث ترقبك العين البصيرة النافذة فالله لا تخفى عليه خافية فكيف تستتر منه وأنت مقبل عليه؟ كيف يمكن أن تعمل عملاً واحداً لا يراه؟.

وحين تتوجه إلى الله بنفسك حاملاً شعور التقوى الخاشعة والراهبة العميقة فلا شك أنك ستنظف نفسك وتحرص على نظافتها. وحينئذ يستقيم الأمر كله في هذه الحياة، يستقيم الحاكم والمحكوم، والفرد والمجتمع، والمرأة والرجل، والوالد والولد. فكيف يظلم الحاكم حين يرقب الله كأنه يراه؟ وكذلك الزوج الذي يرعى الله في زوجته والوالد والولد والجار والصديق والجندي والقائد والصغير والكبير.

سادساً: قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته".

"وليرح ذبيحته" إنها كلمة تهز الوجدان وتحمل من الرحمة الإنسانية ما لم ترتقي له المشاعر البشرية إلى القمة التي ليس وراءها شيء، وعند التدقيق نجد أنه لا قيمة عملية لإراحة الذبيحة هذه الثواني المعدودة التي تنتقل فيها من عالم الوجود إلى عالم الفناء، ولكن القيمة العملية لك أنت كإنسان فهل هناك شيء أكبر من أن يكون لك قلب إنسان؟.

وإذا كان قد ضرب لنا الحديث مثالين في الإحسان بالقتلة والذبحة إلا أنه واسع شامل لكل عمل وكل فكرة وكل شعور، فالإسلام لا يكتفي بأداء الأعمال على أية صورة وإنما يتطلب "الإحسان" في الأداء أي الإخلاص والإتقان.

والدلالة النفسية من هذا الحديث واضحة وهي محاولة رفع "الإنسان" عن مستوى الحيوان حتى وهو يقضي ضرورته التي يشترك فيها مع الحيوان وهو الطعام، فيجب أن يتناوله بآداب تكسر شراهته ويرتفع بها عن محيط الحيوان إلى محيط الإنسان.

سابعاً: قوله صلى الله عليه وسلم " ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت عليه الشمس ، قيل: يارسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح ، والتحميد ، والتكبير ، والتهليل ، والآمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وتميط الأذى عن الطريق ، وتسمع الأصم ، وتهدى الأعمى ، وتدلّ المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف ، فهذا كاه صدقة منك على نفسك ، وتبسمك في وجه أخيك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة ، وهديك الرجل في أرض الضّالة لك صدقة"

إن أعظم معنيين نأخذهما من هذا الحديث هما، تفجير منابع الخير في النفس البشرية، وربط المجتمع برباط الحب والمودة والإخاء. والرسول الكريم يريدنا أن نعرف أن الخير في منبعه وإن تعددت صوره وزواياه، بل يريد أن يعودنا عمل الخير لا أن يعرفنا إياه فحسب. وتبدو حكمة الرسول من توسيع مدى الخير وتعديد صوره وأشكاله حتى تصبح في متناول كل إنسان فلو كانت الصدقة أو الخير قاصراً على المحسوسات والأموال، فسيعجز عنها كثير من أفراد البشرية، وفي الحديث معنى آخر وهو أن الإعطاء حركة إيجابية، فالنفس التي تتعود الشعور بالإيجابية نفس حية متحركة فاعلة بعكس النفس التي تتعود السلبية فهي نفس منكمشة.

وتسمية الرسول الكريم لهذه الأعمال "بالصدقات" له معنى عظيم، فالصدقات بمعناها الحسي الضيق تقسم الناس إلى (آخذين) و (معطين) وقد توحي إلى الآخذين الشعور بالضآلة والضعف وتغري المعطين بالخيلاء والغرور، وهذا تقسيم مجتمعي سيء للغاية، ولكن توسيع نطاق الصدقات حتى تشمل كل شيء وكل عمل متجه إلى الخير يلغي التقسيم الأول، ويتيح لكل إنسان بصرف النظر عن فقره وغناه أن يكون معطياً واهباً للآخرين.