ثامناً: قوله صلى الله عليه وسلم "ما اسكر كثيرة فقليله حرام".

لعل ظاهر اللفظ يوحي بأن الخمر وحدها هي المقصودة بالحديث ولكن الحديث به قاعدة تشريعية شاملة، تنطبق بالقياس على الممنوع كله والحرام كله، تنطبق على الخمر، والربا، والسرقة والغصب، والغمز واللمز، والغيبة والنميمة، والكذب والنفاق. فهي حكمة بالغة تلك التي نطق بها الرسول الكريم، ودراية عميقة بالنفس البشرية، ونظر بعيد لا يقف عند الجزئية الصغيرة ولا عند الفرد الواحد ولا الجيل الواحد من الأجيال.

والإدمان من أشد الأشياء خطورة على المجتمع ، وحين يحدث الإدمان لن تجد له ضوابط، وكل شارب عرضة للإدمان لأن الأعصاب ليست لها حصانة من تأثير السموم، ومع ذلك إذا افترضنا أن أغلبية من الناس تستطيع أن تشرب دون أن تبلغ حد الإدمان فإن هذا ليس هو المقصود، إنما المقصود هو الأجيال القادمة، ففي مسألة الخمر بالذات يقول الطب إن أبناء السكارى يولدون وفيهم استعداد مورث لشرب الخمر، ينتقل إليهم عن طريق النطفة قبل أن يملكوا لأنفسهم القياد! ومن ثم يصبحون في الكبر مدمنين!، ويقول علم النفس أن أبناء السكير يصابون باضطرابات نفسية وعصبية عنيفة تؤثر في مستقبل حياتهم، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بلسان الرسول الكريم قائلاً: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". ليقي البشرية من الوقوع في الحرام وارتكاب الجرائم ويضع الوقاية والعلاج لعدم وقوع الجرائم، وحينما تقع الجرائم رغم ذلك كله فإنه يكون قد فلح في منع انتشارها وتحولها إلى وباء.

تاسعاً: قوله صلى الله عليه وسلم "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فمن كان له ملجأ فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".

"الشك يفسر في صالح المتهم" تلك هي القمة الإنسانية التي بلغتها أوربا بعد الإسلام بأكثر من ألف عام، إلا أن ذلك لم يتحقق بسهولة بل كانت هناك صراعات وحروب وثورات دموية من أجل استقرار الأمور كما هو عليه الوضع الآن في أوربا، حيث أصبح الآن القبض على شخص واحد في انجلترا مثلاً بدون تهمة أو اعتقاله يوماً واحداً بدون تحقيق يثير البلاد كلها وتستجوب عنه الحكومة أمام الشعب، بعد ما كان الشعب يقسم إلى طبقات ويعامل كعبيد لدى الرؤساء.

أما الإسلام فلم يكن في حاجة إلى ثورات دموية أو حتى المطالبة بالحقوق بل لقد كان هو الذي يمنح الناس الكرامة الإنسانية ويحرضهم على التمسك بها والمحافظة عليها ضد الطغاة والظالمين، فكل الناس متساوون أمام القانون.

وحينما كانت القوانين في الدول القديمة وما زالت في الدول الجماعية في الوقت الحاضر تبالغ في عقاب المجرم لأنه وهو فرد ضائع لا كيان له يعتدي علي الكيان المقدس، كيان الجماعة ويتخذ ذلك ستاراً للتنكيل بكل فرد تحدثه نفسه بالخروج على السادة ذوي القداسة، وكذلك الدول الغربية الرأسمالية في إباحة الحرية للفرد على أساس أنه هو الكائن المقدس ولا قداسة للجماعة فتخفف العقوبة على المجرم وتملي الأعذار له، وإذا نظرنا إلى الإسلام نجده يمسك الميزان من منتصفه فلا يميل في جانب الفرد ولا جانب الجماعة ولا ينظر إليهما وكأنهما منفصلين عن بعض وإنما ينظر إلى الفرد والجماعة على أنهما متجاوبون في الأجزاء ومتعاونون في الأداء، فإذا شذ فإنه يُقوّمه لكي يرد إلى السبيل، وإذا نظرت بعين الجماعة يرى حقها في الطمأنينة على نفسها فيمنع العدوان عليها ويعاقب المعتدين، وينظر في ذات الوقت إلى الفرد فيُرى دوافعه إلى الجريمة سواء كانت منبعثة من داخل النفس، أو من الظروف الخارجية فيقّدر هذه الدوافع ويعمل على إزالتها بكل طريقة ممكنة قبل أن يوقع العقوبة بالتشريع الذي يكفل الضرورات مرة، ويصون الحرمات مرة، وبالتربية التي تهذب النفس وتنظف مساربها، وبالعقيدة التي تربط القلب بالله.. فإذا عجز ولي الأمر عن إزالة الدوافع لأي سبب  أو ساورته في ذلك شبهة. فعند ذلك يدرأ الحدود بالشبهات.

والفرد الذي يوجه إليه الاتهام له عدة ضمانات:

أ) لا يؤخذ أحد بالظنة، فلابد أن يوزن الاتهام ذاته ليرى مبلغه من الصدق ومبلغه من الجد.

ب) لا تكون الجاسوسية من وسائل الإثبات لقوله تعالى "ولا تجسسوا".

ت) ضمانة التحقيق فالمحقق ليست مهمته الإيقاع بالمجرم وتضييق الخناق عليه، ولا يجوز له أن يستخدم وسيلة من وسائل الإرهاب تنتهي بالاعتراف.

ث) ضمانة التنفيذ في مجرم ثبتت عليه التهمة من غير إكراه، وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

- اذا ضرب أحدكم فليتقي الوجه.

- لا تعذبوا بعذاب الله ( النار).

- فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة.

- كما نهى أن يٌعيّر المجرم بجرمه أو أن يُنبذ من المجتمع، وإنما يُفتح له بابه لكي يعود إلى الله ويفعل الخير ويُكبت الشيطان وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم "لا تعينوا عليه الشيطان".

عاشراً: قوله صلى الله عليه وسلم " مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا".

شبه الرسول الكريم المجتمع بسفينة لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد، ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل ويقظ لما يريد. وهذه السفينة يركب على ظهرها البَر والفاجر وتتأثر بكل حركة تقع فيها وكثير من الناس ينسى هذه الحقيقة فيفجر، ولو تذكر من استكبر وطغى أنه ليس راكزاً على البر وإنما هي رحلة قصيرة على سفينة الحياة لما ترك نفسه لشهواته ولا انحرافاته ولعمل حساباً لكل خطوة يخطوها حرصاً على نجاته ونجاة الآخرين معه.

فعندما ينجرف شاب في تيار الشهوات ويقول بدون حرج ليس لأحد عليّ سلطان ويتركه الناس خوفاً وطمعاً إن كان من أهل الأثرياء أو يتركونه استصغاراً لشأنه واستهتاراً بعواقب الأمور ويقول في نفسه مبرراً فجوره وهل يمكن أن أؤثر في المجتمع وأنا شخص واحد؟، بل وهل أنا وحدي الذي سأصلح المجتمع الفاسد؟، لقد فسد وانتهى الأمر. فهب أنني امتنعت وحدي عن الجريمة فأي جدوى من ذلك؟، اأحترق في النهاية وحدي ويستمتع الآخرون!. وقد يكون ذاك حقاً!، ولكنه لم يكن كذلك حين فجر أول فاجر وتركه الناس! حين خرق أول مفتون مكانه في السفينة فلم يأخذوا على يديه حين ظن أول خارج على المجتمع والأخلاق والتقاليد أنه لن يضر الناس شيئاً وأنه يخرق مكانه وهو حر فيه.

وكذلك الفتاة المستهترة، والكاتب الذي يزين الفاحشة ويحسنها للناس، والوالد الضعيف الشخصية الذي يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، والطالب الذي يغش في الامتحان، والموظف المرتشي، وغيرهم الكثير ممن يخرقون مكانهم في السفينة دون عتاب لهم من أحد.

وإذا نظرنا إلى قسمة الرسول الكريم في هذا الحديث لوجدنا أنه لم يقسم ركاب السفينة بحسب أماكنهم الظاهرية في المجتمع، لم يجعل السادة هم الأعلين والشعب هو الأسفل، إن الأعلى في تقدير الله ورسوله "هو القائم في حدود الله" أياً كان مكانه في المجتمع فالقوة الحقيقية لا تستمد من عرض الأرض إنما تستمد من الله فالإيمان هو القوة الحقة، أما الواقع فيها فهم العصاة المنحرفون في كل جانب من جوانب العصيان والانحراف أياً كان مركزهم في المجتمع فهذا المركز لا يقي من الله شيئاً حين يؤدي إلى الميل عن الطريق فحين تغرق السفينة من قوة الفساد لا يقول السادة للشعب اغرقوا أنتم وحدكم ونحن ناجون من الهلاك! وحين يطلب الرسول من القائمين في حدود الله أن يأخذوا على يد الواقعين فيها لا يحدد مهمتهم بمراكزهم الظاهرية في المجتمع وإنما بأماكنهم الحقة في سفينة المجتمع، فما داموا مؤمنين فهم القوة الحقة الأخذة على أيدي العابثين.

واللافت للنظر أيضاً في هذا الحديث هو وحدة المصلحة في المجتمع، فكل الأمثلة التي ذكرناها تدور حول محور واحد فهؤلاء قوم لهم "مصالح قريبة" يستنفعون منها على حساب الآخرين ولو تركهم المجتمع فترة من الزمن فسوف يستفيدون من هذا السكوت توفير الجهد ومغالبة الشهوات، ورزق بدون تعب ولكن فترة من الزمن تمضي ثم يأخذ الفساد في الانتشار وتبدأ السفينة في الاضطراب وتغرق في النهاية وتأخذ معها الظالمين والمظلومين على السواء ومن ثم فالمصالح النهائية واحدة .. فليست هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده فكل مصلحة هي مصلحتهم جميعاً وكل ضرر يصيبهم جميعاً ولا يستطيع أحد أن يتخلى عن مسئوليته في هذا السبيل. وهنا تبرز بعض الحيرة إزاء الآية الكريمة "ياأيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" إلا أن المعنى المراد منها هو أنكم عليكم المجتمع الذي تعيشون فيه وليس عليكم غيركم من المجتمعات أو الأفراد غير المسلمين فهؤلاء لا يضرونكم متى اهتديتم وعملتم بما يريده الله.

أخيراً: قوله صلى الله عليه وسلم " عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ : ( مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ ) فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : ( إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ . وفي رواية قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".

وهذه القصة واضحة الدلالة فيما تركه الرسول الكريم للناس من أمور يتصرفون فيها بمعرفتهم لأنهم أعلم بها وأخبر بدقائقها. إنها المسائل العلمية الفنية التطبيقية التي تتناولها خبرة الناس في الأرض، وتعتبر حقائق علمية مجردة عن وجود الإنسان ذاته بكل عقائده وكل تنظيماته، وهي سابقة له في الكون وتدّخل الإنسان فيها إنما ليكتشفها ويعرفها ثم يستغلها لصالحه.

وقد قال الرسول الكريم كلمته هذه ليفتح الباب للتطور، ولا يقف بالناس عند تشريعات وتنظيمات قد اقتضتها بيئة معينة وظروف معينة، وإنما يتركهم يشرعون وينظمون فيما هم أدرى به من الأمور. ولكن الفكر الإسلامي لم يخرج عن صوابه وهو يحس بالتطور مثلما فعلت وتفعل أوربا فلم يفهم من التطور أن الحياة بلا قواعد والكون بلا نواميس، وإنما الكون كله بإرادة الله الخالق المدبر وانتظام سننه ونواميسه انتظاماً يعجز عنه الانسان.