كنت متجها إلى منزلي ، كانت الخامسة مساء حينها، لازلت أتذكر فقط عندما كنت على الباص و هي واقفتة أمامي تضم   العصى الحديدية بيديها ،كانت و كأنها المرة الأولى التي أرى فيها أصابع و أضافر أنثى، صرت أركز فيهما النظر دون شعور او دراية...، لازلت أتذكر حنين تلك اللحظة التي رفعتُ فيها نظري نحوها و لامستها تحدق عيوني، حينها كأنني أصبت بالصاعقة، وكأنني تعرضت لسعقة عيناها، أصبحت أكبر عمقا في شروذي، لم أستطع غظّ نظري عنها ربما لأنني أول مرة أشاهد فيها عيون فتاة او شيئا من هذا القبيل، نعم لقد كان ذلك كالسحر فذلك لم يكن بإرادتي، أعجبت بها ولم أزعم بفعل شيئ، لقد كان شيئا داخلي، يمنعني فقد كان الخجل سيد الموقف أنذاك، لم أفعل أي شيئ سوى أنني ذهبت أبحث عن إنعكاس وجهها في زجاج الحافلة، اخترت تلك الطريقة لأنني أيقنت أنها هي الوسيلة الوحيدة الاحدق فيها دون أن تمنعني نضراتها ودون أن تشك هي أو أحد الركاب أنني سقطت في منفى الاعجاب بها، لم أعد دارٍ بواقعي، بمشاغلي الا منتهية، لقد رميت كل ذاك الى الهامش وصرت كلمجنون اغني قصيدة "دنياك قلبي دنياك"، انا ما تاجرت حينها بتفكيري او احساسي لكنني رحمت عيناي وخاطري، فل أترك لهم المجال ليفرضوا سيطرتهم و يعبروا عن كيانهم هم الأن في عز الشباب فل نتبع هواهم قليلا نرى ما يحدث... إني أزعم أن هناك حياة جديدة سعيدة تنادي.

وصل الباص لأخر نقطة و ها الفتاة لا زالت تداعب الظلام و الزجاج في آخر الحافلة، وقفَ وأنا غير راضٍ عن ذاك لأني لم أُمنح بشرف التقرب منها، نزلتُ لقد استسلمتُ لواقعي و ودعت شعرها الاشقر الذهبي و سرت لمنفاي على أمل أن أصادفها مرة أخرى...هرولت تجاه البيت وذكرى اضافرها المطليةُ بالأحمر لا زالت تراودني لكنني قليلا في رغبة لنسيان، لنقل أنها ذكرى جميلة ومضت ونعد لواقعنا، استسلمت و أخرجتُ مفاتح البيتِ و اردت أن أضعها على القُفل و سقطت على الأرضِ، قمت منفعلا فقذفته بقدمي، لم أعد دار بالإتجاه الذي سلك منه !!!، نضرتُ ورائي رأيتُ فتاة تنحني وتمسك بالمفتاح، يا للخجلِ، 

_هااااه رأيتُ عيناها !!! فنقلبت كفتُ الخجلِ لصدمة أقوى و أقوى إنها الشقراء التي أعجبتُ بها في الحافلة هي من التقطتِ المفتاح، أي نوع من الزهور هذا و أيُّ نوع من الحظّ اخبروني، انها تتجه نحوي وتضع المفاتيح بين يداي، وعيناي لا تفارق مقلتا عيناها، انني سأطير وأختفي بالله ارحمني، ارحمي خاطري.

بنوع من البروتوكول قدمت لها الشكر والإعتذار بأقوى أنواع الحذر والخجلِ، بادلتها قليلا من الكلام وعلمت أنها وافذة جديدة على الحي و أنها تسكن قُربنا، نعم إنه الحظ حالفنا واخيرا هذا اليوم، فهي الشقراء الفاتنة جارة لي تسكن في البيت المقابل لبيتنا، بنوع من الجرأة التي لم أدري من أين اكتسبتها طلبت رقم هاتفها وقدمته لي هي الاخيرة ، كان الخجل سيد كل شيء في هذه اللحظات و سار كل منا الى موتهِ المشتهي... دخلتُ الببتَ و أنا لا أكاد أصدق ما مررت به هذا اليوم، صراحة لقد كان يوما جميلا نوعا ما، توجهت نحو الصالة حيث تجلس والدتي و اختي الصغيرة ،جلست معهما قليلا قبل أن أتوجه لغرفتي و أضع السماعات في أذناي و أذهب في شرودٍ باحثا عن خدود الشقراء و حنانها في جدران البيت كالمجنون، نعم لقد اقتربت من الجنون ،  اشتقت للفتاة و أصبحت أنتظر بفارغ الصبر الوقتُ الذي نتعارف فيه أكثر و لما لا ننسهر في بعضنا البعض و نملأ كل الفراغات التي في داخلنا.

تذكرتُ رقمها و أدركت أنه بإمكاني بدأ مراسيم الحب و فتح أبواب الغرام، تبثتُ رقمها في الهاتف، سميتها "الشقراء" و طلبت خدمة الرسائل عبر "الواتس أب" ، سأرسل لها رسالة و أرى هل ستجيب أم شيئا غير ذلك، ضغطتُ في خانة الكتابة حينها وقعت عيناي على شيء زادني غرابة، هي مغلقة منذ خمس سنوات، هاتفتها و لكن الرقم غير مشغل..كيف يعقل هذا هل خدعتني أم مذا؟، شعرتُ حينها بالإحباط و الخيبة، غادرتُ التطبيق و أغلقتُ بيانات الهاتف و أنا أسبح في بحر التشائم و الحيرة، لمذا فعلت كل هذا؟، لمذا قدمت لي رقما قديما لم يعد مستعملا، أ كانت تريد فقط أن تهني مني؟ فأنا لم أجبرها، فهي مدتني اياه و هي في كامل رضاها لقد كان ذلك بادٍ من ابتسامتها، لم استطع الانفلات من تلك التساؤلات و الشكوك حتى رنَّ هاتفي معلنا عن توافذ رسالة جديدة، كنت أظّن أنه صديقي اسامة ينتضرني في الباب لأعيره جهاز تحكم البليستيشن كما كان يفعل كلّ مرة، لكن هذه المرة لم يكن ما توقعته، بل قد كان شيئا آخر، شيئا جعل شعرُ رأسي يقف ليعلن حربا من الخوف و الغموض، لقد أتتني رسالة صوتية من الشقراء فهي لا تملك رقمي و بيانات الاتصال غير مشغلة، فكيف يحدث هذا، قوانين الفزياء لم تحترم هنا و قوانين المنطق حتى...  لقد تصفحت ذلك الحساب علهُ يكون شخصا أخر له نفس الاسم من الاصدقاء الكثيرين القدماء الموجودين في حسابي، لكن عندما دخلت وجدت شئا آخر، لقد كانت رسالة صوتية من الشقراء التي قابلتها قبل ساعة ، كيف سأستطيع سماع هذه الرسالة و هي وردتني بطريقة غير شرعية أو بالأحرى تخالف قوانين الدردشة. يا إلاهي كيف يمكنني إبطاء سرعة الخفقان قلبي ، إنّ قفص صدري يشتكي العنف، و عقلي لم يعد متحملا، كأنه يريد المغادرة، كأنه يريد الإنسحاب.

ضغطت على زر التشغيل كأنه شبحٌ تلك الفتاة تمثل أمامي لكنها هذه المرة كانت أجمل أضعاف المرات من الوقت الذي رأيتها أول مرة لكن كان شيئا واحدا غريب كانت عيناها مليئة بالدم وشفتيها أيضا، لكنني لم أصدق ما رأيته فبأغلى ثمن سأتجاهل ذلك و أقول أن تلك هلوسات فقط لكن الرسالة ذلك لم تكن هلوسة هي حقيقة ستقودني للجنون، لاشك في ذلك،
لا زالت نبرة صوتها وهي تستنجد راسخة في دماغي،

-عمران أنتضرك غدا في المدرسة....

خمس كلمات كانت كفيلة بأن تجعل حرارة جسمي ترتفع و يصحبها إرتعاش كلي، طريقة التنفس التي كنت عليها تلك اللحظة كانت تذكرني في الطريقة التي كنت أتنفس فيها عندما تشاجرت أول مرة في حياتي مع شخص حاول سرقتي، كل ما جعلني في هذه الحالة هو كلامها، فكيف عرفت إسمي، وما حاجتها بي في المدرسة، يا إلاهي مذا تريد مني؟ و ما السر وراء الرقم خمسة؟، لمذا يوجد في جيبي جمس صورٍ لفتاة لم أعلم من هي؟
لمذا أستهلك خمس سجارات في اليوم و ليس ستة أو أربعة
لمذا الرقم ٥ لم يفارق ذاكرتي منذ مدة طويلة، لا زلتُ أتذكر أنه قبل عام كان أربعة فقط، لمذا كل عام يضاف رقم واحد...
فتحتُ عيناي لأجد جسدي تدحرج عن "الكرتون" الذي إستعنت به فراشا لي قبل خمس سنوات و صار جسدي يعانق التراب المبلل، إنها لسعاتُ البرد القارسة جعلتني أستفق من جنوني  مانحتاً إيايَ هنيهتا من الزمن لأرتب الأفكار في دماغي و أكف من هذه التساؤلات و الأحلام، جعلتني لسعات البرد أقتنع و أرضى بواقعي.... بأنها لن تجبني على هاتفنا الا سلكي الذي غادرته قبل ٥ سنوات، 

فأنا مجنون بسبب حب فتاة أحببتها و خانتني ، كنت ضحية لمساوات ، ها أنا الأن أمضي حياتي بين الزقاق أهتف بإسمها بأعلى صوتي و الناس يتطلعون إلي و كأنني مجرم أو حرامي لكن أنا فقط كنت ضحية تعرضت لحادث فقدتُ فيه عقلي و قلبي و كل شيء، كيف لا أبكي و كيف لا أقهر، دموعي لا أضن أنها ستكفيني للمواصلة، سأبحث عن خمس سجارات أموت بها و أهنى فأنا الأن عاجز عن فعل شيء آخر .