الإمام مالك : عالم و إمام دار الهجرة و مؤسس المذهب المالكي، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة"[1].

وقال عنه سفيان بن عيينة: "مالك عالم أهل الحجاز".

وقال الشافعي: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم".

· أولا: الاسم والنسب:

هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الاصبحي. جده أبو عامر الصحابي الجليل رضي الله عنه شهد المغازي كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم خلا بدرا.[2]

جاء في الانتقاء: "حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال: نا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال: نا أحمد بن الحسن الأنصاري، قال: نا الزبير بن بكار قال: نا إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس قال: هو مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو اصبح من حِمير بن سبأ "[3]

أما عن أمه فهي "عالية بنت شريك الأزدية "[4]، وأزد من أشهر قبائل العرب القحطانية.

وأعمام الإمام مالك هم: "أبو سهيل نافع، وأويس، والربيع، والنضر، وأولاد أبي عامر".[5]

· ثانيا : عصــره:

أ) الحــالـة السياسية:

أدرك الإمام مالك منذ ولادته (93هـ) إلى وفاته (179هـ)دولتين إسلاميتين ساهمتا في انتشار رقعة الاسلام حيث وصل شرقا إلى الصين وغربا إلى وسط أوروبا، "فنرى أن الإمام مالك ولد في خلافة الرشيد العباسي فسلخ بضع وثلاثين سنة من عمره في حكم الأمويين وأفنى قرابة نصف قرن في حكم العباسيين وشهد انتقال الدولة من هؤلاء إلى أولئك..."[6]

وانطلاقا من هذا يمكننا تقسيم البيئة السياسية التي عاصرها الإمام مالك إلى مرحلتين:

1) مرحلة الخلافة الأموية:

في هذه الفترة استقر الملك الأموي بعد نزاع طويل ومستمر، وقد كان نتيجة هذا الاستقرار انتشار رقعة الإسلام، حيث فتحت أمصار نائية فوصل الإسلام غربا إلى جنوب أوروبا وشرقا إلى حدود الصين.

وفي هذه الفترة أيضا شهد الإمام مالك خروج الخوارج بقيادة أبي حمزة، والذين أدوا إلى إزعاج أمن الدولة، وذلك بتعلقهم بظواهر النصوص الشرعية، فاستحلوا القتل من غير بينة ولا سلطان من الشرع، يقول الإمام أبو زهرة: "وسمع مالك و علِم وعاين خروج الخوار وإزعاجهم لأمن الناس وتخطفهم المسلمين في أطراف البوادي ، لا يبقون على قائم، يفهمون الدين بظواهر الألفاظ ويمرقون من حقائق الإسلام مروق السهم من الرمية، يخلص من يخلص منهم ولكن يرمون غيرهم بالكفر والفسوق عن جهالة ومن غير بينة ولا سلطان من الشرع مبين."[7]

وفي هذه المرحلة أيضا عاين الإمام مالك خروج العلويين الذين خرجوا على الحكم الأموي، "كما حكى التاريخ خروج زيد بن علي و ابنه وحفيده على العلويين ".[8]

2) مرحلة الخلافة العباسة:

بعدما جاء الحكم العباسي نشط العلويون فخرج على المنصور عام 145هـ الأخوان محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية، وإبراهيم بن عبد الله، حيث خرج الأول بالمدينة و الثاني بالبصرة، إلا أنه و بعد فترة قضى أبو جعفر على خارجة العلويين عليه.

بعد أبو جعفر تولى المهدي ابنه الخلافة وقد رسخت قدم الدولة واطمأن الناس إلى حكامها.

وبعد المهدي جاء ابنه موسى الهادي سنة 169هـ فلم يعمّر أكثر من أربعة عشر شهرا حيث حاول أن يخلع أخوه الرشيد منه ولاية العهد.

بعد تولي الرشيد الخلافة سنة 170هـ بلغت الدولة العباسية غاية قوتها ولم تكن آنذاك على الأرض دولة تصارعها.

== > تلك إذا أشــهر الهزات السياسية التـي واكبت عصر الإمام مالك، ولننتقل بعد ذلك إلى الحالة الاجتماعية.




[1] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في عالم المدينة رقم الحديث:2680.

[2] شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، للشيخ محمد بن محمد عمر بن قاسم مخلوف، ج1/ص:80، تحقيق عبد المجيد خيالي، منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السنة والجماعة، دار الكتب العلمية بيروت-لبنان.

[3] الانتقاء في الأئمة الثلاث الفقهاء، للحافظ بن عبد البر الأندلسي، ص:36 ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الاسلامية، دار النشر الاسلامية.

[4] سير أعلام النبلاء، لشمس الدين الذهبي ج8/ص:49، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ، سنة 1403هـ-1982م.

[5] نفسه.

[6] مالك بن أنس، أمين الخولي، ص:103، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1994.

[7] مالك حياته وعصره، آراؤه وفقهه، الإمام أبو زهرة ص:107، دار الفكر العربي ، الطبعة الثانية.

[8] نفسه.